mar21العالم اليوم

فقدان حاسة الشم قد يكون “بداية” للإصابة بأمراض أخرى غير كوفيد-19

المسار    |    كان باري سميث في الخمسينيات من عمره عندما شخصت إصابته بمرض الشلل الرعاش (باركنسون)، لكن قبل ذلك بـ 18 عاما، ظهرت لديه أعراض غريبة جدا وتبين أنها دائمة. ففي أحد الأيام شم “رائحة دخان قوية تشبه احتراق الأسلاك”، على حد قوله، ومنذ ذلك الحين، لم يعد يشم أي رائحة.

وأصيب الطبيب سميث بالحيرة حينها، وعزا فقدان حاسة الشم لدى مريضه إلى ممارسة رياضة الغوص، فمن المعروف أن الغوص إلى أعماق كبيرة قد يتسبب أحيانا في إضعاف حاسة الشم.

ويا ليت الطبيب كان على حق!

لكن فقدان حاسة الشم يمكن أن تكون له أسباب مثيرة للقلق فعلا، لا تتعلق بممارسة الغوص، وقد ثبتت صحة ذلك في حالة سميث. وعلى الرغم من أن كثيرين من الناس في أيامنا هذه، أصبحوا يعزون غياب القدرة على شم الروائح إلى الإصابة بفيروس كورونا بشكل تلقائي، فإن فقدان هذه الحاسة يعد أيضا أحد الأعراض الشائعة للأمراض التنكّسية العصبية، بما في ذلك التصلب المتعدد وداء باركنسون وألزهايمر.

وتوصلت الأبحاث إلى أن ما يصل إلى 38 في المئة من الذين يعانون من التصلب المتعدد، ونحو نصف كبار السن المصابين بالخرف، أظهروا علامات على فقدان حاسة الشم قبل خمس سنوات من تشخيص إصابتهم. كما ظهر ضعف الشم لدى ما بين 45 و96 في المئة من المصابين بمرض باركنسون.

وقد استمر تجاهل فقدان حاسة الشم لسنوات وعلى نطاق واسع باعتباره إشارة على المعاناة من أمراض مثل باركنسون، أما الآن فيعتقد بعض العلماء أن استخدامه كوسيلة للتشخيص يمكن أن ينطوي على مزايا كبيرة.

وتصيب أمراض مثل باركنسون المنطقة المسؤولة عن حاسة الشم قبل المناطق الأخرى في الدماغ بفترة طويلة، ويُعتقد أن هذا هو سبب فقدان سميث القدرة على الشم قبل 18 عاما من معاناته من مرض باركنسون للمرة الأولى. وربما كان اختبار دقيق لحاسة الشم لديه قادرا على كشف حقيقة مرضه قبل نحو عقدين من تشخيصه رسميا، الأمر الذي كان يمكن أن يمنحه وقتا أطول بكثير لإبطاء تقدم المرض.

وهناك الآن العديد من المبادرات التي تعمل على تطوير اختبارات تعتمد على تقييم حاسة الشم في تشخيص الأمراض التنكسية العصبية، وتحمل إحداها اسم “التنبؤ بمرض باركنسون”.

وحسب أليستر نويس، المحاضر البارز في التشخيص السريري في جامعة “كوين ميري” في لندن، والذي يقود هذه المبادرة، فقد جرى تطوير اختبار للشم تحت اسم “الخدش والشم”، وهو اختبار سريع يعرض المريض لست روائح نصادفها عادة خلال يومنا، بناء على قائمة أكبر مؤلفة من 40 رائحة.

وهناك أمل في أن تتيح هذه المبادرات إمكانية استخدام البيانات التي يجري جمعها في تحديد الأشخاص الذين سيصابون مستقبلا بمرض باركنسون، ما قد يسمح بتبني معالجات جديدة مبكرة يمكنها منع تطور المرض أو إبطائه. ومع وجود ما يتراوح بين 0.45 و3.4 في المئة من الأشخاص (حسب الاختبار) الذين لا يعون حقيقة فقدانهم حاسة الشم، فيمكن لوسائل مثل “التنبؤ بمرض باركنسون” مساعدتهم على إدراك ذلك.

لكن المشكلة تتمثل في أن مثل هذه الاختبارات لا تزال باهظة التكلفة في الوقت الحالي. يقول نويس: “يكلف إجراء اختبار الرائحة القياسي 25 جنيها إسترلينيا ( 34.88 دولارا أمريكيا) في المتوسط”. وفي حين أن التكلفة قد لا تشكل حاجزا بالنسبة للعديد من العيادات الخاصة التي تستخدم اختبارات الشم كأداة تشخيص، فإنها ستحد من فائدتها بالنسبة لأنظمة الرعاية الصحية العامة ذات الموارد المحدودة.

وبالطبع، فإن الضعف في حاسة الشم لا يحدث نتيجة الأمراض التنكسية العصبية فقط، فنحو 19 في المئة من الناس يعانون نوعا من الخلل الوظيفي في حاسة الشم، في حين يفقد 0.3 في المئة حاسة الشم تماما (انعدام الشم)، ويعاني 19.1 في المئة من ضعف القدرة على تمييز الروائح (ضعف الشم).

ووجدت الدراسات الحديثة أن انعدام الشم قد يكون مرتبطا بحالات تتعلق بالصحة العقلية مثل الإصابة بالاكتئاب والفصام والارتخاء العضلي الذي يعرف أيضا باسم خلل التوتر العضلي، وهو اضطراب في الحركة تنقبض فيه عضلات المريض بشكل خارج عن سيطرته.

وكشفت دراسة أجريت عام 2016 أن الرجال الذين يعانون من أعراض الاكتئاب هم أيضا عرضة لضعف حاسة الشم، في حين أن الذين يشعرون بالوحدة هم بشكل عام أقل قدرة على تمييز الروائح المختلفة. كما ربطت أبحاث أخرى بين خلل حاسة الشم وارتفاع معدل الوفيات، ما يشير إلى أنه قد يكون بمثابة دليل على الشيخوخة أو المرض.

ووجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 شخص تتراوح أعمارهم بين 71 و82 عاما أن الأشخاص الذين يعانون من ضعف حاسة الشم يكون احتمال وفاتهم خلال عشر سنوات أعلى بنسبة 46 في المئة من الذين يملكون حاسة شم عادية.

لكن من أين جاء هذا الارتباط القوي بين الصحة وحاسة الشم؟

يعتقد كارل فيلبوت، أستاذ طب أمراض الأنف والشم في جامعة إيست أنجليا البريطانية، أن الارتباط قد يكون عبر ما نتناوله من طعام. ويقول وفقا لنتائج بحث أجراه حول هذا الأمر: “ثلث المرضى الذين يعانون من فقدان حاسة الشم لديهم إفراط في تناول الطعام، والثلث الآخر يأكلون بشكل أقل من اللازم”. ونظرا إلى أن النظام الغذائي الصحي هو إحدى أهم الركائز للتمتع بصحة جيدة، فمن السهل معرفة سبب ارتفاع معدل الوفيات بين الذين يعانون من خلل في حاسة الشم.

ويضيف فيلبوت أن “حاسة الشم مسؤولة بنسبة تصل إلى 70 في المئة” عن إحساسنا بالنكهات المختلفة (برغم وجود خلافات حول النسبة الدقيقة)، وهو ما قد يفسر سبب تأثير فقدان هذه الحاسة على الشهية.

ويتوافق هذا مع التجارب الشخصية التي شهدتها كلارا أوبراين، وهي أخصائية في الطب النفسي العصبي السريري، وتعالج الأشخاص الذين يعانون من أمراض عصبية وإصابات في الدماغ.

وتقول أوبراين: “تلعب حاسة الشم دورا مهما في حياة المريض، ويفقد كثيرون (من دونها) الاستمتاع بالأنشطة التي تشكل جزءا أساسيا من روتينهم اليومي”. وتوضح أن الأشخاص القريبين من مرضاها الذين يعانون من فقدان حاسة الشم، يقولون إنهم لاحظوا تغيرات في سلوكهم، وإنهم يصبحون أكثر ميلا إلى الانغلاق على أنفسهم، أو الغضب أو الانسحاب والعزلة.

وكشف هونغلي تشن، أستاذ علم الأوبئة والإحصاء الحيوي في جامعة ولاية ميشيغان، سببا آخر للعلاقة بين خلل حاسة الشم وارتفاع معدل الوفيات، وهو أن ضعف الشم يرتبط بزيادة التعرض للأخطار.

وإذا كانت حاسة الشم لديك طبيعية، فحاول أن تتذكر المرات التي كنت تمشي فيها في طريق ما، قبل أن تسرع لتبتعد عن رائحة أبخرة عوادم السيارات التي تشمها بشكل قوي. على عكس ذلك، يستمر الشخص الذي يفتقر إلى القدرة على شم الروائح في السير على نفس المنوال، ويستنشق المزيد من الأبخرة السامة.

وهذا يشبه إلى حد كبير ما حصل مع باري سميث، المصاب بمرض باركنسون، والذي يقول إنه في إحدى المرات ظل جالسا في غرفته لساعات، دون أن يشعر أن هواءها كان مشبعا بالدخان القادم من موقد الحطب عند جيرانه، إلى أن جاءت زوجته ونبهته.

وعلى المستوى العصبي، يمكن أن يؤدي ضعف حاسة الشم إلى تغيرات طويلة الأمد في بنية الدماغ. إذ تتقلص المناطق المسؤولة عن حاسة الشم مثل البصلة الشمية والقشرة الكمثرية، كما تتقلص أيضا مناطق علاقتها بحاسة الشم أقل مثل القشرة الحزامية الأمامية، والمعنية بالتحكم في الحركة والتفكير العقلاني، والجهاز الحوفي، الذي يسمى أيضا بالفص الحوفي، وهو المسؤول عن الوظائف الانفعالية والعاطفة.

لكن، الخبر السار هو أن مناطق الدماغ التي تتقلص بسبب فقدان حاسة الشم، يمكن أن تنمو من جديد في حال استعادة هذه الحاسة. وعندما يحصل هذا، فإن البصلة الشمية والقشرة الكمثرية والقشرة الحزامية الأمامية والجهاز الحوفي جميعها يكبر حجمها مجددا، كما يتحسن النظام الغذائي للشخص. وهذا يعني أن علاجات استعادة القدرة على شم الروائح يمكن أن تكون فعالة

المصدر
المسار - وكالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى