عزيزة راشد تكتب حصريا لـ المسار: زنجبار ذاكرة وطن

المسار | آراء الكُتاب
عزيزة راشد
إعلامية
ارتبطت زنجبار في الذاكرة بأنها تلك الجزيرة التي حكمها العمانيون لفترة من الزمن، ثم حدث انقلاب فيها عليهم وعادت لسكانها الأصليين، وارتبطت في ذاكرة البعض بأنها وكر للسحر والشعوذة، والبعض أعتبرها واجهه للسياحة، وكل يهاجر لما نوى إليه.
لكن زنجبار لم تعد رهينة التأويلات والتموجات الفكرية والتفسيرات المتعددة، أصبحت جزيرة مختلفة تماما عن ما كانت عليه، فور نزولك للجزيرة تشعر بأن هناك تغييرات كثيرة قد طرأت على المكان، مطارها الجديد الذي سوف يفتتح قريبا يعتبر من أروع الواجهات التي ستطل منها زنجبار على العالم، الشوارع المسفلتة والبنية الأساسية التي تحاول مواكبة العصر، المؤسسات الحكومية ذات الخدمات المتطورة، المنتجعات السياحية والفنادق والمزارع الخضراء والمنتزهات كلها توحي بأن زنجبار قد ودعت عصور الظلام وتقديم القرابين للآلهة، فالمدارس منتشرة في كل مكان، تجد التلاميذ بأزيائهم المدرسية يسيرون على الشارع عائدين إلى بيوتهم القريبة من المدرسة وآخرين يستقلون الحافلة، أزياء مدرسية موحدة وحلقات صغيرة أو ما يسمى بالكتاتيب التي تجمع الأستاذ مع تلاميذه في حلقات ذكر وتعليم للقران الكريم، ويحرص العمانيون في زنجبار وفي عمان أيضا على إنشائها بغية الأجر لوجه الله تعالى.
إحدى الإيطاليات باعت منزلها في إيطاليا وهاجرت إلى زنجبار وأقامت منتجع على البحر مفضلة أن تقضي ما تبقى من عمرها في زنجبار، ومثلها الكثيرون الذين عشقوا هذه الجزيرة، وأقاموا فيها مشاريع عديدة سواء الفلل والشاليهات على البحر أو المنتجعات والفنادق التي تقدم خدماتها للسائح ليعيش الأجواء الفخمة والتي لا تقل عن أجواء شواطئ اليونان او المالديف أو حتى جزر البهاما.
عندما زرت معرض المنتجات الزنجبارية لمست التطور الكبير الذي طرأ على التصنيع في زنجبار، فتلك المنتجات تعبر عن ما وصلت إليه الصناعة في الجزيرة، لفت نظري أن بعض المنتجات يشرف على بيعها أجانب من إيطاليا وبريطانيا وغيرها من دول أوروبا الذين هاجروا من بلدانهم واستوطنوا الجزيرة واشتغلوا في صنع وتسويق المنتجات التي تزخر بها وفق اعلى مقاييس الجودة والتي لا تتوقع أن تراها في زنجبار.
الآثار العمانية شاهدة وحاضرة في كل مكان، بدء من المعمار وانتهاء بالزي العماني المتمثل في لبس الدشداشة العمانية والكمة، ولم ألحظ المصر ابدا وكانت الكمة العمانية يلبسها الجميع في زنجبار، تقف قصور السلاطين العمانيين شامخة رغم بهتان الوانها وحاجتها للترميم إلا انها بقت صامدة، فور دخولي لقصر بيت الساحل اذهلتني صور السلاطين المعلقة على الجدران، إذ كانت تمتد لأكثر من 5 امتار في شموخ وهيبة السلاطين، انتزع جزء من برواز إحدى الصور لكنها لاتزال زاهية بألوانها البراقة وبروازها المذهب ذو النقوش الدقيقة التي تدل على براعة الصنعة والنقشة وجودة الخشب في ذلك الوقت والذي ظل صامدا لأكثر من 133 سنه، دخلت إلى غرفة السيدة سالمة أو هكذا رأيتها وقد علقت على جدرانها صور لها ولزوجها وافراد عائلتها وأولادها والسفينة التي غادرت عليها من زنجبار، لفت نظري القبقاب الخشبي والذي كانت ترتديه سيدات القصر في تلك الفترة وبجواره فردة واحدة من النطل، كانت النطلة الوحيدة الباقية ربما سرقت النطلة الأخرى في فوضى الانقلاب او ربما اخذتها السيدة سالمة معها ذكرى من وطن وتميمة ضد الغياب في رحلة الآلام والكفاح والحزن التي امتزج بقصتها لاحقا في بلاد الغربة.
باب غرفة السلطان في الطابق الثالث كان مفتوحا عندما صعدت إليه، هناك كانت حاجيات السلطان لاتزال في مكانها، البشت الأسود والخنجر وثمة مسباح من العقيق وضع اسفل البشت، بينما فرغت الخزانة من الملابس والمجوهرات والتي ربما سرقت في فوضى الانقلاب، كان سرير السلطان الحديدي موجهًا نحو الشرفة وبعثرت الكراسي في تنسيق غير صحيح لأماكن وضع السرير والكنب والكراسي، ومن غرفة السلطان تأتي غرفة الحناء والتي كانت السيدة الجليلة تجلس فيها للحناء في المناسبات والأعياد ومنها غرفة للوضوء للصلاة تليها باقي مرفقات الغرفة في تقسيمة عجيبة ومنظمة لغرف السلاطين في الماضي، مما لفت انتباهي إطلالة غرفة السلطان على المقبرة السلطانية والتي يقال أن السلطان كلما اشتاق لأبيه وامه واجداده جلس على الشرفة التي تطل على قبورهم اسفل القصر يتلو القرآن ويبث اشواقه لهم، المقبرة السلطانية هي الأخرى لم تسلم من التلف إذ نزعت شواهد بعض القبور لبيع الرخام الثمين وقبور أخرى نبتت فوقها الحشائش وجعلت منها واحة خضراء كخضرة قلوب من دفن فيها، ويقف قبر السيد سعيد بن سلطان مؤسس الإمبراطورية العمانية بكل هيبه وكأطول شاهد من كل القبور، وقفت امام قبره بكل هيبة، امام رجل عظيم أسس امبراطورية ذات هيبة واقتصاد قوي ومات وهو يحتضن ضفتي امبراطوريته بين عمان وأفريقيا في عرض البحر كانت وفاته.
[ads3]
الأزقة بين البيوت تنبعث منها رائحة اللبان العماني إذ أن اغلب البيوت يسكنها عمانيون سواء من سكانها الأصليين الذين بقوا فيها أو من الورثة الذين جاؤوا من عمان ليجلسوا فيها بضعة اشهر ثم يعودون إلى عمان مرة أخرى وهكذا، يرتدي الصبية الزي العماني وهم يخرجون من المسجد، بينما ترتدي النساء الملابس العمانية المحتشمة وغطاء الرأس (الليسو) يلف كامل الجسم، ومن الأزقة المعتقة برائحة اللبان العماني إلى الشاطئ المقابل لقصر بيت العجائب الذي تلتف حوله الأقمشة وسياج الحديد في عملية الترميم التي تقوم بها السلطنة له، وامام القصر يجري الكرنفال اليومي فالباعة المتجولون يعرضون شتى البضائع المختلفة والأكلات الشعبية حتى المشاوي والشاورما كانت حاضرة أيضا، ومن الشوارع المتطورة شارع الماركات العالمية والذي يتم فيه عرض شتى أنواع الماركات العالمية من المجوهرات والحقائب والملابس الفاخرة، لم تعد زنجبار مظلمة إنها مضيئة جدا بالجزر الساحرة والشواطئ الخلابة والمنتجعات الفخمة والأسواق التي تعرض شتى البضائع المتنوعة والعمران المتطور والمزارع الوارفة الظلال والنسيم العليل، انها جنة الله على الأرض كما وصفها احدهم، زنجبار أرض يحبها الله لذلك بقت جميلة وغسلت وجهها من الدم وعادت لتبتسم مرة أخرى.