عذراء حمود تكتب للمسار: الحراك النسوي في عُمان بين الشيطنة والتمجيد
المسار | آراء الكُتاب
عذراء حمود

تصاعدت خلال الفترة الماضية الكثير من الأصوات المعارضة بشدة للحراك النسوي في عُمان، ووصل بعضها إلى حد اتهام هذا الحراك بالمسؤولية عن موت إحدى المنتسبات له، ولازالت هنالك حملة كبيرة ضد هذا الحراك النسوي بحجة تحريضه على قتل النفس، والدعوة للعري، ووجود أجندة خارجية تدعم هذا الحراك بغرض هدم المجتمع. وطالبت الأصوات المشيطنة لهذا الحراك بوقفه، وإصدار قانون يمنع وجوده، ومعاقبة المنتسبين له. بينما ظهرت فئة أخرى تدعم هذا الحراك وتمجّده بشكل مطلق، باعتبار أنه حق وحراك عالمي موجود منذ زمن طويل، وأن وجوده صحي وضروري في أي مجتمع. لكن هل فعلاً هذا الحراك النسوي سيء بالشكل الذي صوره المعارضون؟ وهل هو مثالي بالشكل الذي دافع عنه المؤيدون؟
لا يوجد حراك في العالم أياً كان نوعه دون وجود مشكلة ينشأ بسببها، ويتطور بدافع حلها، والقارئ لواقع الحياة الاجتماعية في عُمان يجد مبرراً حقيقياً لوجود هذا النوع من الحراك المطالب بحقوق المرأة، بل إن هذا الحراك بات ضرورة مُلّحة للتغيير في ظل غياب قنوات ومؤسسات تدعم هذه الحقوق النسائية، وتسعى للتغيير والتطوير بما يتناسب مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية محلياً وعالمياً.
عندما ننظر لحجج المعارضين لهذا الحراك النسوي نجد أن هناك العديد من المغالطات والتهويل، وإذا ما عدنا للسبب الرئيسي سنجد أن ذلك نتيجة طبيعية للفكر المتشدد، والذي ليس له علاقة بالدين كما يدّعي البعض بقدر ما هو نتيجة لمعتقدات عرفية؛ فالدين لا يتعارض مع تطورات أي عصر، وقواعده الفقهية قابلة للتجديد بما يتواكب مع متغيرات العصر الحديث، لكن مازالت هناك فئة كبيرة في المجتمع تعاني من الانغلاق وتدعو له خوفاً من الانفتاح الاجتماعي والثقافي. ورغم شيوع هذا الفكر المتشدد إلا أن الحكومة العُمانية منذ بداية حكم السلطان قابوس نجحت في تغيير العديد من ممارساته وأفكاره تجاه المرأة، أما في العهد الجديد فقد كان هناك حدث استثنائي هو الأبرز في تعزيز حرية المرأة العُمانية وحضورها كوجود وهوية؛ ألا وهو الظهور المميز للسيدة الجليلة عهد، حرم السلطان هيثم، في مجتمع لاتزال فئة كبيرة فيه تتعامل مع وجه المرأة باعتباره من المحرمات. هذا الظهور له دور، وإن بدا غير ظاهر، في تعزيز وعي وثقافة جديدة تعاكس التيار العرفي المتشدد الذي يسعى لطمس هوية المرأة، وهو تيار ازداد تشدداً مع الزمن بسبب انتشار أيدلوجيا متشددة، ففي زمن ليس ببعيد كان المظهر الخارجي للمرأة العُمانية يتسم بالتحضر أكثر بكثير أحياناً مما هو عليه اليوم!
لكننا نتساءل: هل توجد علاقة بين الحراك النسوي وانتحار المنتسبين له؟ هل يمكن لفكرة ذهنية أن تؤدي للانتحار بدون أسباب نفسية أو اجتماعية؟ ما مدى صحة الاتهام الذي وجهته إحدى العائلات للحراك النسوي بأن أفكاره هي السبب في انتحار ابنتها؟ لا يمكن لإنسان أن يقتل نفسه من أجل حراك أو فكرة مجردة، فمثل هذا الفعل ينتج عن أسباب نفسية واجتماعية قاهرة. هناك العديد من الفتيات انتحرن بسبب الضغط الاجتماعي دون أن يعرفن أي شيء عن الحراك النسوي، وهناك حالات انتحار كانت قبل ظهور الحراك النسوي في عُمان، وغالباً ما تميل العائلات لتبرئة نفسها من مسؤولية موت أحد أفرادها؛ وذلك لأسباب عديدة منها اجتماعية كالسمعة، ومنها لأسباب نفسية؛ فليس هناك إنسان على وجه الأرض يحتمل فكرة أن يكون هو السبب المباشر في موت شخص آخر، لهذا يميل لاختراع أسباب أخرى. هناك أسر لا تعرف شيئاً عن الحراك النسوي، وعندما يسألون عن سبب انتحار فتاة أو امرأة يجيبون أن الجن هم من قاموا بقتلها، وبأن تلك الفتاة أو المرأة كانت تعيش حياة سعيدة ولا تعاني من أي شيء، في حين أن جميع أقربائها يعلمون أنها كانت تعاني من ضغوط عائلية واجتماعية. هذه الحالات وإن لم يتم تداولها إعلامياً فإن ذلك لا ينفي وجودها، فهناك من انتحر بسبب الاجبار على الزواج، وهناك من انتحر بسبب العنف الأسري، وهناك من انتحر بسبب رفض العائلة لفكرة الطلاق، وهناك العديد من الضغوطات الاجتماعية لازالت فئة كبيرة من النساء تعانيها، ولا ينبغي لأحد إنكارها، بل يجب توفير الدعم لها بالتشريعات التي تضمن للمرأة العُمانية حياة مستقلة ومستقرة.
لكن المغالطات والتهويل ضد الحراك النسوي ليس فقط نتيجة للفكر المتشدد، بل سببها أيضاً طبيعة الحراك النسوي نفسه، لأنه يستنسخ قوالب فكرية جاهزة ويتبناها كمعتقدات دون أن يراعي تصادمها الحتمي مع معتقدات المجتمع المحافظ، في حين أنه كان عليه أن يولّد أفكاره ومفاهيمه وقضاياه النسوية من رحم المعاناة الحقيقية التي يعيشها في مجتمعه العماني. ما الذي يمكن أن تستفيده المرأة العمانية من تبني أيدلوجية حراك نسوي لا يعبر عن واقعها وقضاياها، ولا يعبر عن أولوياتها الحقوقية؟ كيف للمرء أن يصبح مناضلاً عالمياً للحقوق التي تطمح لها المرأة في ثقافات أخرى في حين أنه لم يحقق أي ثمار لنضال حقيقي من أجل الحقوق الأساسية التي تطمح لها النساء في بلده؟ عندما يطالب الإنسان بالحرية فعليه أن يعي ضرورة توافقها وخضوعها للقانون الأخلاقي، فما يتعارض مع القانون الأخلاقي ليس بحرية، وحتى في الدول الغربية العديد من أفكار الحراك النسوي غير مقبولة لعدم توافقها مع القانون الأخلاقي، وهنا أقصد بالقانون الأخلاقي، الأخلاق الفطرية في الضمير الإنساني وليس الأخلاق المكتسبة. فالشذوذ الذي يقود للانحلال الأخلاقي غير مقبول في أي مجتمع أخلاقي وأن قبله البعض بحجة الحرية لكن تبقى الفئة الأكبر معارضة له باعتبار أن الحرية المطلقة مفسدة.
إن تغيير شكل ومفهوم الحراك النسوي الحقوقي انطلاقاً من الواقع المحلي ضروري لإحداث التغيير الحقيقي، كذلك فإن الدعم الحكومي المباشر لحراك المرأة الحقوقي مهم، إذ لا ينبغي أن تنحصر مسؤولية الإنصاف الحقوقي للمرأة على الأفراد فقط، لأنه أيضاً من مسؤوليات الدولة، فالتعقيدات الاجتماعية المرتبطة بحقوق المرأة تحتاج مشاركة الحكومة لإحداث التغيير. إن المرأة تواجه اليوم المجتمع لوحدها، وعلى الدولة أن تقف معها باعتبارها مواطنة كاملة الأهلية والحقوق والمسؤولية، فإلى متى سيظل تهميش مقترحات ومطالبات المرأة العُمانية بحقوقها المشروعة؟
إن إنشاء هيئة حكومية تعنى بحقوق المرأة، وتقديم المقترحات والتشريعات التي تسهم في حل جميع الإشكالات التي تعاني منها المرأة في المجتمع بات ضرورة ملحة، ويمكن أن تكون هذه الهيئة برئاسة أو بإشراف ورعاية مباشرة من السيدة الجليلة عهد حرم السلطان هيثم، فالسيدة عهد مختصة بعلم الاجتماع كما أنها امرأة مثقفة ومنفتحة وسيكون لها دور كبير في تحقيق التغيير المنشود للمرأة الذي تطالب به منذ بدايات النهضة.
وفي حال تم إنشاء هذه الهيئة المعنية بحقوق المرأة فيفضل أن يقتصر العمل بها على العنصر النسائي المتخصص في علم الاجتماع والنفس والقانون، وأن يسمح لعمل المتطوعات لمساندة أعمالها. كذلك يمكن أن يكون من بين أدوار هذه المؤسسة النسائية تقديم مقترحات ومشاريع القانون التي تخدم المرأة، وأن يكون هناك قسم يخدم المتضررات باستقبال الشكاوى وتقديم الدعم لهن، فوزارة التنمية الاجتماعية لا تستطيع، ولن تستطيع تقديم الدعم لكافة نساء المجتمع، لأن اختصاصاتها عديدة، وسلطتها الإدارية أضعف من مواجهة تيار فكري متشدد، ولهذا فإن وجود هيئة متخصصة سيمنح المرأة الدعم الكبير والثقة، كما أن وجود هذه الهيئة سيحل العديد من الإشكالات، ولن تحتاج المرأة فيما بعد لأن تلجأ إلى معين غير موجود، فقانون الدولة هو من سيحميها، ووجود الهيئة المختصة هو الذي سيوفر لها الملاذ القانوني، والنفسي، والاجتماعي.
أخيراً فإن الحراك والتدافع في أي مجتمع ظاهرة صحية، ووجود حراك، ووعي مجتمعي يدعم حقوق المرأة أمر ضروري، ولكن أرجو من القائمين على الحراك النسوي تبني منهج مرن غير تصادمي حتى يكون الحراك فاعل في المجتمع، وعدم التعامل مع الحراك كأيدلوجيا، لأن الأيدلوجيا حين تتواجه مع أيدلوجيا أخرى فهذا يعني أن التصادم لن يؤدي إلى تغيير حقيقي. علينا أن نعي أنه بمقدور الإنسان أن يخلق منهج جديد للتغيير دون الحاجة لتكرار أطر فكرية موجودة، فلكل مجتمع واقعه النفسي والاجتماعي الذي يختلف مع واقع الدول الأخرى، وما ينجح في بلد قد لا ينجح في بلد آخر، فإذا كان الهدف من الحراك إحداث تغيير حقيقي فحينها يمكن للمرأة العمانية أن تخرج للعالم بحراك جديد ومسمى جديد وهو “حراك المرأة العُمانية” دون الالتزام بأيدلوجيا تاريخية بكل متناقضاتها.