جواهر البداعية
ليس من المعقول أن تُبقي تلك النوافذ التي تجعل روحك تتحشرج في صدرك مفتوحة على مصراعيها، لطالما كان الإنسحاب خطة بديلة تلوذ لها عندما يتبادى لك أن نهاية الطريق مظلمة، كل الذين يُصرون على الوقوف في طريق غير طريقهم، إما أن ينتهي بهم الأمر محطمين أو مخذولين، كل البدايات التي تبدأ متعرجة لن يستقيم دربها إلا إذا حَسُنت النية، لذلك الكل مطالب بالصفاء والنقاء مهما إعترت دربه مسارات ملتوية غير التي إعتاد عليها.
يؤسفني أننا نصل إلى منتصف الطريق دون معرفة أي الدربين أنفع لنا، هل نكمل دون من بدأنا معه أو نعود حيث كانت نقطة البداية ونغير مسارنا، التخبط الذي يسبق القرار قد يكون أصعب من القرار نفسه؛ لأن الحيرة تصيبك بالتوتر الشديد، فكل الدلائل والإشارات والمواقف أمامك وبين يديك ولكنك عاجز عن استخلاص نتيجة ذاك القرار، كومة من الورد في داخلك تذبل، وتحيط بك كل الهالات المشؤومة التي تنذرك بالسقوط الهالك، لكنك رغم ذلك تُصر على السير في طريق مجهول لا علم لك كيف تكون نهايته.
و لا تنفك تشعر بنوبات حب عميقة تخص جزء معين في حياتك لا يُكتب ولا يُحكى، هو هكذا حاله بين البينين من شدة الشعور تسقط حروف الوصف منه، قد قض مضجعك وتلعثم منطقك وفض خاطرك وكنت تخاف أن تسقط كاف المخاطب من جملتك لولا أن ضميرك أعدل حجتك، منحازة إلى العمق الذي لا يراه العيان والذي إن خف وهجه أبقى أراه بوضوح تام، حتى وإن جهل العالم والمفتي تفسيره أبقى متعلقة بذيل الحكم منافية قضيتي التي دسست فيها حكم القصاص، قصاص الحب، الأمل، الجمال وسلامة الإيمان.
ليست قضيتي التي تحدني أن أتوارى بها عن العيان؛ إنما جهل الأحكام في قريتي يقتل كل مُطالب بالأمان، سبعة وتسعون محاولة أبت كلها بالصد والهجران وأما الثامنة والتسعون منها ستكون ألف خطوة لتغيير المسار، والتاسعة والتسعون ألفُ آيات الله على قلبي من الأحزان وأما المئة فأستغفر الله على ما فاتني من الإيمان.
فأما البعد فهو أول الذنوب وأكبرها فما بالك عن تلك الذنوب لا تستغفر ولا تتوب، وأما عيناك فكانت جسرا مقام يمد للسماء، وأما وجهك فبدرا يضيئ عتمة الأرض وقت المساء، وأما قلبك فقبلة للسلام وأطروحة ضمت جميع الألحان، وأما ذوقك الشعري فمعلقة تعود لطرفة بن العبد نهر يجري بخيره المستباح.
وآخر الوصايا: شد يد الوصل ولا تقبل بالنهايات الضعاف، لم نخلق بداية الطريق حتى نقطعه من المنتصف ونعود أدراجنا، لن يقتلك الكبرياء الهزيل الذي لا يطاق، ولن تنحني هامتك إذا إعترفت بالشوق والحنين والإنهزام، جد بالوصل وانظر إلى رب السماء واسأله الرضى واليسر والكمال، وإن هزتك رتابة الأيام فاطلب الله في إستخاره أن يوقظك على حلو الشعور منتزعا منك الخوف والتردد وعدم الأمان، كن ذا حق في كل قرار نحوي يقام ثم لا تنسى أن تطمأن قلقي.
