روان الكلباني تكتب لـ المسار: خرافة الحبة السحرية

المسار | آراء الكُتاب
روان الكلباني
قبل اثنتا عشرة سنة، عندما كنت مستلقية أمام التلفاز في ظهيرة هادئة أشاهد ساندريلاً، في تلك اللحظة بالذات حين لمعت عيناي دهشة وتأثر عندما حولت الساحرة بعصاها العجيبة ساندريلا من فتاة بمظهرها المشرد لأميرة تستطيع دخول القصر والمشاركة في صخب الاحتفال بكامل أناقتها. في تلك اللحظة كم أتمنى لو أستطيع أن أنظر في عيناي وأنا طفلة وأقول لها لا تنتظري ساحرة ولا عصا سحرية لتحقق أحلامك.
حين تعلق زيتونة في حبال بلوتو يتناول باباي علبة سبانخ سحرية التي تحول يديه الهزيلتين لقبضة قوية تنقذ زيتونة كل مرة. بحثت عن سبانخ باباي مطولاً لكني لم أعثر عليها. بحثت عنها في مقطع تحفيزي ولم يحقق لي ما أرغب فيه، بحثت عنها في كتاب آمله أن يغير قدري لكنه لم يفلح. بحثت عنها في حماس البدايات ولم تسعفني حتى أكمل طريقي. أستغرقني الأمر طويلاً لأدرك أنه لا وجود لسبانخ باباي، لا وجود لحبة سحرية ستغيرني أو تحقق أحلامي أو تصنع لي قدراً أجمل.
ثقافة الحبة السحرية
أتعرفون العناوين التي تكون من هذا النوع: 7 كتب ستغير حياتك، هذا الكتاب سيجعلك ثرياً، سعيداً، ذكياً، غبياً وما إلى ذلك. ليست صادقة، لن يغير أي كتاب حياتك، لن يفعل ذلك وأنت مستلقي تقرأه فحسب. أنت ستغير حياتك بمساعدة هذا الكتاب إذا قرأته مرارًا والتزمت في فهمه وتطبيقه، أنت ستغير حياتك حين تغير سلوكك وتأخذ بالإرشادات الموجودة في الكتاب مراراً وستستمر تعمل وفقاً لما جاء فيه، سيلهمك لتتخذ عادات جديدة، ستعمل على إحداث تغيير في حياتك وستشعر بألم وانزعاج هذا التغيير حتى تتخلص من عادات سيئة وتبني أخرى جيدة. لأن الكتاب ليس حبة سحرية، لن يغير حياتك في يوم وليلة ولن يغيرها دون جهد منك ودون أن تصبر وتعطي من وقتك.
حين نمسك ورقة وندون عليها كل الأهداف التي نود تحقيقها، نشعر أننا حققناها بالفعل لكن غالباً ينتهي المطاف عند أغلبنا بمجرد أهداف على ورقة. لأنه لا وجود لحبة سحرية تبتلعها لتجد نفسك تعيش حلمك. يتطلب تحويل تلك الأهداف من الورقة إلى واقعك، الكثير من العمل والسعي. قد يتطلب منك تغيير عادة كأن تستيقظ باكراً كل يوم. أو تغير نوع طعامك، ويتطلب منك أحيان أن تضحي بكثير من المتع اللحظية لتستحق بلوغك هدفك. أن تضع كامل انتباهك عليه، أن تعمل وتجتهد ولا تجد منه نتائج على المدى القصير.
ليس هذا كلام تحفيزي لتنهض وتعمل بمجرد أن تفرغ من قراءة المقال، ثم يخفت حماسك مع مرور الوقت وتعود لتكاسلك. هذا المقال ليس حبة سحرية ولن يغير حياتك. قد يبدو لك كلام بديهي نعرفه كلينا لكنه حقيقي وقلما ندركه وإلا لكنا بلغنا أهدافنا وأكملنا السعي لنهاية الطرق.
ضغطة زر
ضغطة زر قد تفجر مدينة، ضغطة زر تحمي حياة بشر. ضغطة زر تجلب لك وجبتك ومشروبك المفضل، تحجز لك تذكرة وفندق، ضغطة زر تفصلك عن العالم الافتراضي وتعزلك عن الناس. لكن ضغطة زر لن تجعلك فنان محترف أو عازف ماهر. ضغطة زر لا قيمة لها أمام طموحاتك الكبيرة. ضغطة زر قد تُمتعك لكنها لن تجعلك سعيد.
لا عصا عجيبة ولا حبة سحرية ولا ضغطة زر. ستبقى مكانك أن لم تبذل جهد، راحتك ومتعك اللحظية هي مساومة بأحلامك وسعادتك الحقيقية. ليس كل شيء بالغ السهولة ومريح، عليك أن تبذل، تتعب، تنزعج أحيانا، تعطي وتختار. بالطبع لست مع فكرة أن الأهداف لا تتحقق إلا بشق الأنفس ولكنها أيضا ليست بتلك السهولة، حتى نخدع أنفسنا ويمضي بناء العمر ونحن في وهم وجود حبة سحرية.