mar21مسارات قانونية

د. محمد الجهوري يكتب لـ المسار: القصور في تسبيب الأحكام

المسار  | مسارات قانونية

الدكتور محمد بن عبدالله بن سعيد الجهوري

دكتوراه الفلسفة – القانون العام

Mohd.8013@gmail.com

ان تسبيب الأحكام التزام يجب على المحكمة أن تنظر إليه بعين الاعتبار عند إصدار أحكامها والإخلال به يجعل الحكم وهناً وضعيفا ويترتب عليه البطلان المؤدي الى نقضه ومن خلاله يستطاع إدراك الأسس الواقعية والقانونية التي بنى عليها القاضي حكمه، و يعتبر تسبيب الأحكام من المهام الشاقة الملقاة على عاتق القضاة، لأنها تتطلب منه أن يقتنع بما توصل إليه من حكم في الدعوى، و أن يقنع به أصحاب الشأن و كل من يطلع عليه بقصد مراقبته.

و يقول الأستاذ الدكتور يوسف محمد المصاروة، إن تسبيب الأحكام وفقا لعلم المنطق عبارة عن مقدمات تؤدي الى نتائج محددة تترتب عليها و لكي تأتي هذه النتائج صحيحة و مطابقة للواقع يجب أن تكون المقدمات صحيحة أيضا و بالتالي تكون الأسباب المنطقية و السائغة هي الأساس الذي تستند إليه النتيجة.

و قد تناول المشرع أهم مبادئ العدالة وهي صدور الحكم في الدعاوى مطمئناً العامة و المحكوم عليه و المجني عليه و إن المتهم حوكم محاكمة عادلة و إنه طبق عليه القانون تطبيقا صحيحا دون انتقاص من حقه و لذلك تناول المشرع التسبيب للأحكام في قانون الإجراءات الجزائية في المادة 220 منه على أنه (…ثم تذكر بعد ذلك الأسباب التي بني عليها الحكم ومنطوقه، وكل حكم بالإدانة يجب أن يشتمل على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، ونص القانون الذي حكم بموجبه. ) و كذلك في قانون الإجراءات المدنية و التجارية في المادة ( 172 ) منه على أنه  (….كما يجب أن يشتمل الحكم على عرض مجمل لوقائع الدعوى ثم طلبات الخصوم وخلاصة موجزة لدفوعهم ودفاعهم الجوهري، و رأي الادعاء العام إن كان، ثم تذكر بعد ذلك أسباب الحكم ومنطوقه.

والقصور في أسباب الحكم الواقعية، والنقص أو الخطأ الذي يؤدي إلى التجهيل بالخصوم وصفاتهم أو بالقضاة الذين اشتركوا في إصداره يترتب عليه بطلان الحكم.)

فالتسبيب إيراد الحجج الواقعية و القانونية المبني عليها الحكم و المنتجة له ، وهنا المشرع ضمن عدم تحيز القضاة و أراد أن يعتني القضاة و أن يمحصوا مزاعم الخصوم ووزن أدلتهم و دراسة جميع عناصر الدعوى الواقعية و القانونية دارسة وافية ، تمكنهم من استخلاص الحجج التي يبنون عليها أراهم ، حتى لا يصدروا أحكامهم بناءّ على تأثير عواطفهم ، وحتى ينزل قضائهم في قلوب الخصوم منزلة الاحترام و الاطمئنان و حتى يتمكن الخصوم مناقشة أسباب الأحكام عند الطعن عليها .

و لما كان تسبيب الأحكام أمرا في غاية الأهمية، فقد أكدت محكمتنا العليا بأن تسبيب الأحكام إجراء أساسي و مفروض لمقتضيات القانون لأجل تمكين كل من سيطلع على الحكم من الوقوف على ما انتهت إليه المحكمة، و إن الإخلال به أثره البطلان.

و قد جاء في أحد قراراتها رقم 255 في الطعن رقم 215/2003 م إنه ( إذا لم يبين الحكم المطعون فيه رابطة السبب و كيفية حصول الوفاة بيانا كافيا يمكن المحكمة العليا من إعمال رقابتها على تطبيق القانون تطبيقا صحيحا على واقعة الدعوى فإنه يكون قد شاب الحكم القصور في التسبيب بما يتوجب نقضه.

و الجدير بالذكر أن الغموض في أسباب الحكم يؤدي الى بطلانه لأن أسباب الحكم يجب أن تكون واضحه جلية يتبين منها وجه الرأي الذي أخته المحكمة و جعلته أساسا لحكمها و إلا كانت باطلة، وقد ذهبت محكمتنا العليا في أحد قراراتها الى إن الإبهام و الغموض و النقص في التسبيب يعيب الحكم و يوجب نقضه ( قرار رقم 10 في الطعن رقم 82/2003 ).

بيد أن الغموض في منطوق الحكم لا يؤدي الى بطلانه و لا يصلح سببا في الطعن و السبيل إليه الرجوع الى ذات المحكمة لتفسير ما وقع من غموض أو ابهام وفقا للمادة (181 ) من قانون الإجراءات المدنية و التجارية و التي جاء نصها على أنه ( يجوز للخصوم أن يطلبوا إلى المحكمة التي أصدرت الحكم تفسير ما وقع في منطوقه من غموض أو إبهام ويقدم الطلب بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى، ويعتبر الحكم الصادر بالتفسير متمما للحكم الذي يفسره ويسري عليه ما يسري على الحكم الأصلي من قواعد خاصة بالطعن ).

فيغدو التسبيب ذو أهمية بالغة فهو أحد العناصر الشكلية و ركيزة من ركائز الحكم و عدالته و يعضد الحكم ويمنحه قوة الشيء المحكوم فيه، كما يعد مظهر من مظاهر قيام القاضي بواجبه الذي فرضه عليه القانون الذي يعتبر الأساسي القانوني للتسبيب، و ضمانه هامه لمعرفة طريقة تعامل القاضي مع الأدلة المطروحة عليه من قبل الخصوم و معيار وزنه لتلك الأدلة ، و التسبيب الكافي مبعث للطمأنينة و الثقة لعدالة الحكم الذي سيرسم للخصوم الطريق الذي يستطيعون من خلاله الطعن على الحكم  الذي يمس حقوقهم .

و الجدير بالذكر أن الفقهاء قد سبقوا القانونيين المعاصرين في مبدأ التسبيب و بينوا ضرورة تسبيب الأحكام  في عدة كتب منها للأمام الشافعي في كتاب الأم – الإمام الشافعي –ج 6 – الصفحة 234  ، قال ( وأحب للقاضي إذا أراد القضاء على رجل أن يجلسه ويبين به ويقول له احتججت عندي بكذا وجاءت البينة عليك بكذا واحتج خصمك بكذا فرأيت الحكم عليك من قبل كذا ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه وأبعد من التهمة وأحرى إن كان القاضي غفل من ذلك عن موضع فيه حجة أن يبينه فإن رأى فيها شيئا يبين له أن يرجع أو يشكل عليه أن يقف حتى يتبين له فإن لم ير فيها شيئا أخبره أنه لا شئ له فيها وأخبره بالوجه الذي رأى أنه لا شيء له فيها وإن لم يفعل جاز حكمه غير أن قد ترك موضع الاعذار إلى المقضي عليه عند القضاء) ، وجاء في ( المبسوط / روضة الناظر و جنة المناظر ) إن من فوائد تسبيب الأحكام أنه أطيب لنفس المحكوم عليه ، و ليعلم أن القاضي إنما حكم عليه بمستند شرعي و أنه قد فهم حجته و أدلته و إنما قضي عليه بعد الفهم عنه و القلوب أقرب الى قبول الأحكام الجارية على ذوق المصالح و المسارعة الى التصديق بها و قبولها و الطمأنينة إليها.

من كل ذلك يتضح أن لتسبيب الأحكام أهمية ودور كبير في تحقيق العدالة القضائية وزيادة ثقة الناس بالقضاء وأحكامه، فضلا عن إنه تمكين للمحكمة العليا من مراقبة الأحكام المطعون فيها.

هذا ما تيسر بيانه بإيجاز على أمل مواصل التوعية القانونية في مسار آخر من مساراتنا القانونية.

المصدر
المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى