مسارات قانونية..
د. محمد الجهوري يكتب لصحيفة المسار: الإثبات “الجنائي – الجزائي” الأهمية والمشروعية

المسار | مسارات قانونية
الدكتور محمد بن عبدالله الجهوري يكتب لصحيفة المسار:
الإثبات “الجنائي – الجزائي” الأهمية والمشروعية

عندما تقع جريمة ما ينشأ حق للمجتمع في توقيع العقاب على مرتكبها ووسيلة المجتمع لذلك هي الدعوى العمومية ولا يسأل الشخص عن جريمة اتهم بارتكابها و ادانته عنها ما لم يقم الدليل أمام القضاء بعلة وقوع تلك الجريمة حقيقة، فالهدف الأساسي الذي تسعى لتحقيقه أجهزة العدالة في المجتمع من ناحية الجريمة هو عنصر الإثبات، واثبات وقوع الجريمة و نسبتها الى الفاعل، حت يمكن انزال العقوبة الرادعة بحقه.
وقد عرف فقهاء القانون الإثبات بأنه نظام قانوني قضائي أصولي يهدف الى إقامة الحجة أو الدليل في ساحات العدالة أمام القاضي في خصومة أو نزاع مرفوع اليه بهدف الفصل فيه وصولا الى الحق لأنه لا حق يحميه القاضي من خلال القانون دون دليل يدعمه ويؤيده.
و تكمن أهمية الأثبات بصفة عامة في تقديم الدليل على الحق موضوع دعوى التقاضي و الحق غير المستند على دليل لا قيمة له في الواقعة الجنائية أو النزاع المدني ، حيث تطبق قواعد الاثبات في كل ما عرض على القضاء من نزاعات و قضايا جزائية أو مدنية ، و كذلك العبرة في المحاكمات الجزائية وفقا لما ذهبت إليه المحكمة العليا هي باقتناع محكمة الموضوع بناء على الأدلة المعروضة عليها ….إذ سلطتها وزن أدلة الإثبات، وذلك لكشف الغموض والوقوف على الحقيقة و لرد الحقوق لأصحابها ومعاقبة الجاني لإصلاحه وإعادة تأهيله، فبطريق الإثبات يتوصل القاضي الى اقامة الدليل على وقوع الجريمة و نسبتها الى المتهم و تقرير الجزاء وفقا لشخصية المتهم و مدى خطورته الإجرامية.
كما أن الإثبات في المواد الجزائية يوفر الأدلة بأنواعها المختلفة في الدعاوى القضائية الجزائية، وبالتالي لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي حتى لا تتدخل الآراء والأهواء الشخصية في الأحكام القضائية، فقد قضي أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه الشخصي وإنما له أن يستند الى المعلومات العامة التي يفترض في كل شخص ان يكون ملم بها.
بيد أن أهمية الإثبات تظهر في الدور الإيجابي الممنوح للقاضي في البحث عن الحقيقة فالقاضي الجنائي (الجزائي) ليس كالقاضي المدني –لا يكتفي بمجرد موازنة الأدلة التي يقدمها الخصوم و الترجيح فيما بينها وانما له دور إيجابي يفرض عليه البحث والتحري عن الحقيقة والكشف عنها لأن الجريمة واقعة تنتمي للماضي وليس في وسع القاضي أو مقدوره أن يعاينها بنفسه و يتعرف على حقيقتها ، ويستند الى ذلك فيما يقضي به في شأنها و من ثم يتعين عليه أن يستعين بوسائل تعيد أمامه رواية و تفاصيل ما حدث و هذه الوسائل هي أدلة الإثبات.
و نظرا لأهمية الإثبات في توفير الدليل الجازم على حصول أي جريمة فقد نص المشرع في قانون الإجراءات الجزائية على قواعد الإثبات و حدد المبادئ التي تحكمها و بينت المادة (215) من قانون الإجراءات الجزائية أن القاضي يحكم في الدعوى حسب القناعة التي تكونت لديه و انه لا يجوز له أن يبني حكمه على دليل لم يطرحه الخصوم أمامه في الجلسة أو على معلوماته الشخصية، بمعنى أن قناعة القاضي مستمدة من الأدلة الموجودة في الدعوى و عليه أن يتبع في المسائل غير الجزائية قواعد الإثبات الخاصة بها و قناعته تنحصر في تقدير الدليل وقوته الإثباتية، كما ذهبت المحكمة العليا في الطعن رقم 411 / 2007 مدني عليا الى أن ( الأحكام تبنى على الجزم واليقين لا على الشك و التخمين …..و إن مستوى الإثبات يحتم على الطاعن أن يثبت للمحكمة……وعليه أن يثبت أن لجوء المطعون ضده للقضاء لم يكن بحسن نية…) ، كما أشارت المحكمة في حكم آخر رقم 300 / 2008 جزائي الى أن للقاضي في المسائل الجنائية سلطة واسعة وحرية كاملة في سبيل تقصي ثبوت الجرائم أو عدم ثبوتها ففتح باب الاثبات على مصراعيه يختار من كل طرقه ما يراه موصلا الى الكشف عن الحقيقة و يزن قوة الإثبات المستمدة من كل عنصر…وأدلة الثبوت السائغة التي يوردها الحكم تغني المحكمة عن متابعة المتهم في مناحي دفاعه.
كما أن من مقاصد الشريعة الإسلامية في تشريع القضاء كهيئة مستقلة هو إظهار الحق و الإعانة عليه وقمع الباطل سواء كان الباطل ظاهرا أم خفيا، والشريعة الإسلامية أوجبت إيصال الحقوق الى أهلها ، ومن الأسباب التي تعين على إيصال الحقوق بداية توثيق تلك الحقوق و اثباتها عند التجاحد و إلا أدعى رجال دماء أناس و أموالهم، وقد أكدت أهمية التوثيق و الإثبات الآية الكريمة (282) من سورة البقرة و التي تعتبر دليلا على مشروعية الإثبات، وقد عنيت الشريعة الاسلامية بالإثبات عناية كبيرة و مما يؤكد ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالُ أموالَ قومٍ ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر” أي أن البينة وهي كل ما يُبين الحق و يوضحه يطالب بها المدعي، فإن أتى بها حكم له، وإن عجز عن إقامتها كلف المدعى عليه باليمين؛ فإن حلف حكم له، فلا يحُكم بمجرد الشائعات، أو مجرد الظنون لأن الأصل براءة الذمة.
لذا تكون الدعوى دون دليل يثبتها غير مقبولة، أي أن الإثبات هو إقامة الدليل على ثبوت الحق مضمون الدعوى، فالإدانة والبراءة، مهمة الإثبات تحويل الشبهة الى يقين، كما أن القاضي غير مقيد بطريق محدد من طرق الإثبات بل له أن يكوّن اعتقاده بثبوت الجريمة من ظروف الدعوى، فالحمد لله الحكيم في قضائه العادل في جزائه القائل في محكم كتابه (…وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا).