مسارات قانونية
أخر الأخبار

د‌. محمد الجهوري يكتب حصريا لـ المسار: العالمية والأصل الداخلي لحقوق الإنسان

المسار  | آراء الكُتاب

الدكتور محمد بن عبدالله بن سعيد الجهوري

دكتوراه فلسفة القانون العام – القانون الدستوري

Mohd.8013@gmail.com

ان موضوع حقوق الإنسان لم يعد منحصراً فقط في نطاق النظم القانونية الوطنية، وإنما أصبح موضوعاً عالمياً يدخل في نطاق القيم الأساسية التي يضطلع إليها المجتمع الدولي، وبالتالي فقد أصبح من الأمور الشائعة تقييم سلوك الدول والحكومات ومدى تقدمها بمدى احترامها لحقوق الإنسان.

 فقد عمل المجتمع الدولي على الاهتمام بحقوق الإنسان وتطويرها من خلال بلورتها في صلب المواثيق الدولية والدساتير الوطنية وذلك كأحد الضمانات الأساسية لترسيخ احترام كرامة الإنسان وقدره دون تمييز على المستويين الوطني والدولي.

وقد جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر سنة 1948 مؤكداً على عولمة حقوق الإنسان حيث أشار إلى ضرورة التزام الدول الأعضاء باحترام حقوق الإنسان، ومستهلاً في ديباجته على أهمية هذا الالتزام بقوله:” لما كان الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم، ولما كان تناسي حقوق الإنسان وازدراؤها قد أفضيا إلى إعمال همجية آذت الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ويتحرر من الفزع والفاقة. ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان الحريات الأساسية واحترامها… فإن الجمعية العامة تنادى بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم… واتخاذ إجراءات مضطردة قومية وعالمية لضمان الاعتراف بها…”.

ومنذ صدور هذا الإعلان فإن فكرة حقوق الإنسان ارتفعت قيمتها إلى المستوى الدولي الواقعي ودخلت دائرة اهتمامات القانون الدولي، بحيث أصبح يقاس بها تصرفات الدول والحكم على أعمالها، ليس باعتبارها فكرة مجردة ولكن باعتبار ما يتمخض عنها من قواعد قانونية تعبر عن الاحتياجات المتطورة للجنس البشري، وتمس كافة جوانب حياة الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء داخل كل دولة أو على مستوى العالم أجمع. وبذلك تحولت مسألة الحقوق والحريات من مجرد قضية داخلية بحته إلى مشكلة دولية تهم المجتمع الدولي كله.

[ads3]

جدير بالذكر أن استمرار الانتهاكات ضد حقوق الإنسان- خاصة في الدول النامية – ساعد في الفترة الأخيرة على ترسيخ معنى عولمة حقوق الإنسان، والتي أدت بدورها إلى ظهور سياسات لم تكن مقبولة من قبل في المجتمع الدولي تتمثل في تبرير فكرة التدخل الدولي لحماية حقوق الإنسان، تلك الفكرة التي طرحها الأمين العام للأمم المتحدة “كوفي أنان” خلال الدورة 54 للجمعية العامة 1999، من بين العديد من الموضوعات الدولية.

وقد تمثل تدويل مركز الفرد في نقطتين أساسيتين، أولهما تتمثل في وجود قواعد دولية تخاطب الفرد مباشرة، وثانيهما يتمثل في مساهمة الأفراد مباشرة في الإجراءات القضائية الدولية.

 بيد ان الأصل في حقوق الإنسان إنها تعد مسألة وطنية داخلية، فرغم مظاهر الاهتمام الدولي أو العالمي بحقوق الإنسان من قبل الهيئات والمنظمات الدولية الحكومية، منها وغير الحكومية، إلا أن ذلك كله لا يخلع عن حقوق الإنسان منشأها الوطني أو الداخلي، ويترتب على ذلك عدة نتائج هامة: –

1-    ان العمل من أجل تعزيز حقوق الإنسان وحمايتها يتعين أن يكون نابعاً في المقام الأول من المجتمع الوطني ذاته.

2-    ان التصدي لمواجهة الانتهاكات التي تستهدف حقوق الإنسان ينبغي أن يتم بأساليب ووسائل من داخل الوطن لا عن طريق استعداد واستنفار الآخر الأجنبي.

3-    مراعاة الخصوصية الحضارية والثقافية لبعض الشعوب، فاحترام الخصوصيات والثقافات الخاصة وقيم النظام العام والتقاليد الدينية ليس فيه ما يتعارض مع احترام حقوق الإنسان ومالها من طبيعة عالمية.

ولعل الدليل على ذلك ما وضعته الدساتير في الدول لا سيما العربية لضمان تلك الحقوق، فلا يجوز بحال من الأحوال سن تشريعات تتعارض مع تلك الحقوق المصانة في الدساتير (النظام الأساسي للدولة) وإلا كانت عرضة للطعن عليها بعدم الدستورية فتهدرها وتهدر حجيتها.

المصدر
صحيفة المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى