مساراتمسارات قانونية

د. محمد الجهوري يكتب حصريا لـ المسار: الحق المدني في الدعوى الجزائية

المسار  | مسارات قانونية

الدكتور محمد بن عبد الله بن سعيد الجهوري

دكتوراه في فلسفة القانون العام

Mohd.8013@gmail.com

تنص المادة 176 من قانون المعاملات المدنية على إنه: 1- كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو كان غير مميز بالتعويض 2- إذا كان الإضرار بالمباشرة لزم التعويض وإن لم يتعد و إذا كان بالتسبب فيشترط التعدي.

مفاد ذلك ان الضرر أيّا كان مقداره من الضآلة إذا ما ترتب عليه أو نتج عنه إضرار يلزم من أرتكبه بالتعويض، فإذن من ارتكبه يكون ملزما بتعويض الضرر الذي لحق المضرور من جراء خطئه، فالخطأ يكون هنا هو السبب المباشر للضرر فيحق للمضرور التعويض.

و لذلك يتطلب توافر علاقة السببية بين الضرر و الخطأ فإذا انتفت تلك السببية فلا يترتب تعويض ، والضرر يكون على نتيجة فعل خاطئ ، كما إن الضرر  غير محدد الصور و الحالات في قانون المعاملات المدنية فأي إضرار بالغير يلزم من ارتكبه بالتعويض سواء تمثل في عمل إيجابي أو أمتناع عن عمل حيث يوجب القانون به أو مجرد الإهمال أو عدم الاحتياط و التبصر و التحرز في مباشرة عمل معين إذا ما نتج عنه ضرر للغير  و إذا كانت صور الخطأ في قانون المعاملات المدنية غير محددة أي ليست على سبيل الحصر بل على سبيل البيان و التمثيل ، إلا إن هذا الخطأ قد يشكل في بعض الأحيان جريمة جنائية و في هذه الحالة يكون الخطأ التقصيري جريمة جنائية و ينشأ من هنا حق الدولة في القصاص من الجاني بإنزال حكم قانون الجزاء عليه بتوقيع العقوبة المقررة قانونا عليه أو أي تدبير احترازي مقرر في القانون ، فهنا يسأل مرتكب الجريمة جزائيا و تصح مسائلته مدنيا عن الضرر الذي سببته الجريمة للغير بوصفة أرتكب فعلا خاطئا تولد عنه ضرر للغير .

و إذا كان الأصل في الدعاوى المدنية الناشئة عن الخطأ التقصيري تختص بها الدائرة المدنية بوصفها ذات الولاية العامة في هذا الشأن ، إلا إنه قد ينشأ عن الجريمة ضرر للغير ، فقد أباح المشرع للمضرور من الجريمة إن شاء ان يختار بين التداعي أمام القضاء المدني أم يدعي مدنيا أمام القضاء الجزائي ، وان إباحة ذلك من شأنه ألا يطيل الفصل في الدعوى المدنية ، لأنه لو رفعت أمام القضاء المدني لتعين إيقاف الفصل فيها لحين صدور حكم نهائي بات في الدعوى الجزائية وذلك بالنظر الى وحدة منشأ الدعويين و منعا لتضارب الأحكام ، فقد رأى المشرع الترخيص للمضرور من الجريمة أن يقيم دعواه المدنية أمام المحكمة التي تنظر الدعوى الجزائية تبعا لها فتكون الدعوى المدنية التابعة و تسري عليها قواعد قانون الإجراءات الجزائية من حيث الإجراءات و طرق الطعن في الأحكام الصادر فيها ، و أن شريطة قبول الدعوى المدنية أمام القضاء الجزائي تبعا له أن لا يكون من شأن ذلك تعطيل الفصل في الدعوى الجزائية ، فلا يمكن أن تتعطل دعوى الحق العام نزولا على دعوى الحق الخاص ، فقد نصت المادة 20 من قانون الإجراءات الجزائية على أنه : – ( لكل من أصابه ضرر شخصي مباشر بسبب الجريمة أن يرفع دعوى بحقه المدني أمام المحكمة التي تنظر الدعوى العمومية في أية حالة كانت عليها إلى أن يقفل باب المرافعة بوصفه مدعيا منضما في الدعوى العمومية، وذلك بعد سداد الرسوم المقررة، ولا يقبل منه ذلك أمام محكمة الطعن. ويجوز للمدعي بالحق المدني أن يطالب بحقه أثناء التحقيق الابتدائي بطلب يقدمه لعضو الادعاء العام، كما يجوز له أن يدخل المسؤول عن الحق المدني في الدعوى التي يرفعها أو في التحقيق الابتدائي.

ويحصل الادعاء بالحق المدني بإعلان المتهم أو بطلب في الجلسة التي تنظر فيها الدعوى العمومية إذا كان المتهم حاضرا، وإذا كان قد سبق قبوله في التحقيق الابتدائي فإحالة الدعوى العمومية إلى المحكمة تشمل الدعوى المدنية).

وكانت قد نصت المادة 58 في قانون الجزاء الملغي رقم 7/74 على ان ( كل جريمة تلحق بالغير ضررا ماديا كان أو معنويا يحكم على فاعلها بالتعويض عند طلب المتضرر …..) ، ويكن ان نستنتجها وفقا لقانون الجزاء الجديد رقم 7/2018 من المادة رقم 6 التي جاء فيها ان ( الحكم بالعقوبات المنصوص عليها في هذا القانون لا يحول دون الحكم للخصوم من الرد و التعويض و المصروفات و أي حقوق أخرى ) ، فيتضح جليا جواز أن يحكم للخصوم بالتعويض أي المجني عليه و أيضا المتهم.

فإجازة المشرع للمصاب أن يرفع الدعوى المدنية الى المحكمة الجزائية لتفصل فيها مع الدعوى العمومية اقتصادا للوقت والجهد، وهنا يتقيد القاضي الجزائي عند الفصل في الدعوى المدنية بما قرره في الدعوى العمومية.

وتقول محكمتنا العليا في قرارها رقم 23 في الطعن رقم 192/2002م إن ولاية الدائرة الجزائية قاصرة على الفصل في المواد الجزائية عملا بالمادة 137 من قانون الإجراءات الجزائية وينحصر اختصاصها بنظر قضايا الجنايات والجنح والمخالفات حسب تعريفها الوارد بقانون الجزاء.. والاستثناء من هذه القاعدة شمول ولايتها الفصل في الدعوى المدنية المرتبطة بالدعوى العمومية و شروط هذا الاستثناء ألاّ تنظر الدعوى المدنية إلا بالتبعية للدعوى العمومية بحيث لا يصح رفعها استقلالا أمام الدائرة الجزائية.

و في قرار آخر لها رقم 126 في الطعن 186/2003 قالت ( لا تنظر الدعوى المدنية إلا بالتبعية للدعوى الجنائية بحيث لا يصلح رفعها استقلالا أما المحكمة الجزائية ، ومؤدى ذلك أن المحاكم الجزائية لا يكون لها ولاية الفصل في الدعوى المدنية متى كان محل الدعوى الجزائية غير معاقب عليه قانونا ، ومن ثم يتعين على لمحكمة الجزائية أن تقضي بعدم اختصاصها بنظر الدعوى المدنية ).

و ذهبت محكمة النقض المصرية في أحد أحكامها الى أن الأصل ولاية المحاكم الجنائية بالنسبة للحكم بالتعويضات المدنية هي ولاية استثنائية تقتصر على الضرر الناشئ مباشرة عن الفعل المكون للجريمة المرفوعة بها الدعوى الجنائية ولا تتعداها الى الأفعال الأخرى غير المحمولة على الجريمة ولو كانت متصلة بالواقعة التي تجري المحاكمة عنها لانتفاء علة التبيعة التي تربط الدعوى المدنية بالدعوى الجزائية (نقض جنائي السنة العاشرة).

هذا وجاء في المادة 20 من قانون الإجراءات الجزائية المشار إليها أعلاه (… كما يجوز له أن يدخل المسؤول عن الحق المدني في الدعوى…) فقد دلت على أنها قصدت بالمسؤولين مدنيا الأشخاص المسئولين قانونا عن عمل غيرهم كالذين تناولتهم المادة 196 من قانون المعاملات المدنية و ما بعدها  و أساس مسؤولية هؤلاء ما افترضه القانون من ضمان سوء اختيارهم لتابعيهم أو تقصيرهم في واجب الرقابة لمن تحت رقابتهم بمقتضى القانون أو الاتفاق ، وشركة التأمين ليس من بين هؤلاء ذلك بأن مسؤوليتها تقوم على أساس آخر  هو الالتزامات الناشئة عن عقد التأمين المبرم بينها وبين المتعاقد معها و الفعل الضار لا يعتبر في هذه الصورة سببا مباشرا لمطالبة الشركة فالمضرور لا يطالب شركة التأمين بتعويض عن الفعل الضار بل يطالبها بتنفيذ عقد التأمين ، فيكون كل نزاع يتعلق بالمسؤولية العقدية لا تختص بنظره الدائرة الجزائية فمحله الدائرة المدنية.

و جاء في حكم لمحكمتنا العليا إنه (…..وكانت المادة 11/ب من المرسوم السلطاني رقم 34/94 بإصدار قانون تأمين المركبة قد أجازت لمن أصابه ضرر من حادث يغطيه التأمين …..أن يدخل المؤمن في دعواه بطلب التعويض أمام أية محكمة أو هيئة قضائية ….و قد عمد المشرع الى تقرير هذا الحكم تيسيرا على ضحايا الجريمة و تبسيطا لإجراءات الحصول على التعويض و على الرغم من عموم عبارة النص و اتساعها لكل مؤمن لديه سواء كان المؤمن هو المتهم أو المسؤول عن الحقوق المدنية أو المضرور نفسه ، فإن حكمة النص توجب قصره على الحالة التي يكون المؤمن فيها هو المضرور …………..مما يؤكد أن المشرع لم يقصد الإ من أمّن لديه المتهم أو المسؤول عن الحقوق المدنية وتبقى مسؤولية المؤمن لديه تأمينا شاملا قبل المؤمن قائمة ومحلها العلاقة التعاقدية و الذي يختص بنظرها المحاكم المدنية ….فإن القضاء الجزائي لا يختص بنظر الدعوى المرفوعة من المضرور ضد المؤمن لدية تأمينا شاملا ….) راجع في ذلك الطعن رقم 101/2007م جزائي عليا مبدأ رقم 33 س.ق 7

و تجدر الإشارة الى إنه خروجا على الدعوى المدنية التابعة أجاز المشرع قبول الدعوى التي يرفعها المتهم على المدعي بالحق المدني إذا كان الأخير التجأ الى المحكمة الجزائية طالبا الحكم على المتهم بالتعويض عن الجريمة سواء كان ذلك بصورة ادعاء مباشر أمام المحكمة أم الادعاء مدنيا تبعا للدعوى الجزائية وذلك بهدف منع التعسف و الكيد للمتهم أو مضارته ، و يظهر ذلك جليا في مضمون المادة 24 من قانون الإجراءات الجزائية حيث نصت على أن ( للمتهم أن يطلب من المحكمة أن تقضي له بالتعويض عن الضرر الذي أصابه بسبب توجيه اتهام كيدي أو كان بغير تبصر أو ترو من جانب المبلغ أو المجني عليه ).

وللمتهم أن يطالب المدعي بالحق المدني أمام المحكمة التي تنظر الدعوى العمومية بتعويض الضرر الذي لحقه بسبب رفع الدعوى المدنية عليه إذا كان لذلك وجه) ، وهنا الدعوى المدنية لم تنشأ عن الجريمة المرفوع بها الدعوى الجزائية ضد المتهم، وإنما عن فعل المدعي بالحقوق المدنية التي قصد به الكيد و المضارة للمتهم وخروجا بحق التقاضي لما شرع له .

بيد أنه و إن كان حق الالتجاء للقضاء من الحقوق العامة التي تثبت للناس كافة  للكافة وفق النظام الأساسي للدولة  إلا إنه لا يسوغ لمن يباشر هذا الحق الانحراف به عما شرع له و استعماله كيديا ليبتغي الإضرار بالغير ، فإن تبين ان المدعي كان غير محق في دعواه و لم يقصد منها إلا الإضرار بخصمه و الكيد له ، فإنه لا يكون باشر حقا كفله القانون له و إنما يكون ما قام به خطأ  و ضرر  و تتحقق مسائلته بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالغير بسبب اساءت استعمال حق التقاضي ، وقد أوضحت ذلك المادة 200 من قانون المعاملات المدنية و التي جاء فيها إن ( استعمال الحق العام مقيد بعدم الإضرار بالغير فمن استعمله و أضر غيره ضررا يمكن التحرز منه كان ملزما بالتعويض).

كما ان الحكم بالتعويض المدني لا يرتبط حتما بالعقوبة فيصح الحكم بالتعويض ولو  حكم بالبراءة شريطة ألا تكون البراءة قد بنيت على عدم حصول الواقعة أصلا أو عدم صحتها أو عدم إثبات إسنادها الى المتهم و هو ما أشارت إليه المحكمة العليا بقولها إن  للحكم بالبراءة حجيته سواء بني على انتفاء التهمة أو على عدم كفاية الأدلة ، ولكن تنتفي هذه الحجية إذا استند الحكم بالبراءة الى ان القانون لا يعاقب على الفعل ، ذلك عن عدم تجريم الفعل لا يحول دون اعتباره ضارا يستوجب المسؤولية المدنية و قد نص الشارع على ذلك صراحة في المادة 280 من قانون الإجراءات الجزائية .

هذا ما تيسر بيانه في هذا المسار القانوني، حيث لا يمكن لمثله أن يستوفي الأحكام المتعلقة بالدعوى المدنية التابعة للدعوى العمومية ( الشق المدني في الدعوى الجزائية ) ولكنها محاوله لبيان كيفيتها بصورة مبسطة لتجلية ما غمض من مفاهيم و إجراءات قانونية، و على أمل مواصلة التوعية القانونية في مسار آخر من مساراتنا القانونية.

المصدر
المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى