خالد الداودي يكتب في المسار: ماضٍ طوى ذكراه في حق إنسان

المسار | آراء الكُتاب
خالد بن ثني الداودي
إن الإنسان ليمر بمواقف وأحداث تكدر صفوه وتعصف بذهنه وتقلب حياته إلى ما لم يكن يتوقعه يوماً، ثم مع مرور الأيام تزول المحنة وتنطوي تلك المشاهد البائسة في طي النسيان وتنجلي الغيوم وتشرق شمس السعادة والراحة وتبدو الحياة بحلتها الجديدة ونضارتها الساحرة وكأنها تفتح صفحة جديدة ليرسم فيها ذلك الإنسان أحلامه وآماله من جديد. وهكذا هي الحياة لا تدوم على حالة واحدة ولا تستقر على وضع واحد حسناً كان أم سيئاً.
ولكن هناك من لا يعرف عن نعمة النسيان شيئاً، إذ يظل يجلد نفسه على أمر مضى وانقضى كان سبباً في تعاسته وحزنه يومًا ما، وقد يكون هو سببه أو شخص آخر يتمتع بحياته اليوم وطوى كل ماض يحمل مظلمة في حق إنسان. أو أن يتصرف أحد ممن حوله بشيء يزعجه ثم يعترف بخطئه ذاك الأول ويعتذر ويقدم غيثاً من الفضائل والخيرات الحسان، ثم إن هذا الثاني يقبل العذر ويعفو ولكن عفواً لحظياً فقط، حتى يعود ليذكر تلك الزلة مجددًا فتبقى ذكرى خالدة يُتَغَّنى بها بين فينة وأخرى حتى تنطفئ شمعة الأمل والبهجة وحب الحياة في نفس ذاك الأول، وليس ذلك لأن الزلة عظيمة لذاك الحد ولكن لأن البعض يفضلون العيش على ذكريات دفينة سوداء قاتمة ولا يعيرون الحاضر الجميل ولا آمال المستقبل المشرقة أي اهتمام. وكأنهم ينتزعون الورود من بساتين حياتهم وحياة من حولهم ليغرسوا مكانها أشواكا سامة.
إن إحياء الذكريات الحزينة يجعل المرارة تتربع وتخيم في حياة الإنسان، فتميت قلبه وتشتت فكره وتقضي على حياته برمتها. ومع هذا لن يجده تقلب أفكاره في هذه الذكريات غير إفساد حياته وحياة من حوله وسيبقى الماضي كما هو لن يستطع أن يغير أو يبدل فيه شيئًا.
لذا على الإنسان أن يُنقّي روحه ويُطّهر قلبه ويمسح من داخله الغل الذي احتمله لأي سبب كان، وأن يكون متسامحاً مع ذاته ومع الآخرين فالحياة مواقف وابتلاءات، وعمر الإنسان محدودًا فليقضه بحب وسلام وعفو وإحسان، وأن يستمتع باللحظات الجميلة أملاً في مستقبل أجمل.