حمد الصالحي يكتب للمسار: هل يعلم داروين بأن الحجر يتطور إلى صاروخ؟
المسار | آراء الكُتاب
الأستاذ حمد الصالحي

اعتقدت وفي لحظة حزن حينها وربما يأس -وليغفر لي الله ذلك- بأن توقيع (سلام إبراهام) قبل أشهر من اليوم كان إعلانا لموت القضية الفلسطينية في الضمير والوجدان العربي. وكنت أحسب بأن ماكينة إعلام التطبيع (الصهيوعربي) استطاعت غسل أدمغة الجيل الجديد وتشتيت بوصلة اهتمامه عن أرضه ومقدساته. ولعل هذا ما بدأ يصدقه الصهاينة أنفسهم وهم يرون (عربا) رفعوا الراية البيضاء، وأصبحت تل أبيب قبلتهم.
لقد كان قلقي مبررا حينها، فهو جيل لم يقرأ نشيد “فلسطين داري ودرب انتصاري” في مناهجه الدراسية، جيل حاول الإعلام طمس هويته الدينية بدعوى الإلحاد ليوهمهم بأن المسجد الأقصى خرافة دينية. جيل حاولوا طمس هويته العربية بدعوى الجهل والتخلف. جيل حاولوا طمس هويته الإسلامية بدعوى الإرهاب والعنف. جيل صبت عليه المغريات صبا، ونشرت له الأفكار الشيطانية نشرا. وفي هذا الظلام الدامس الممتلئ بالكآبة والعفن، شعرت حقا بأن القضية الفلسطينية خفت بريقها وتكاد تصبح نسيا منسيا.
ولكن لم يدر بخلدي بأن وقفة احتجاجية فلسطينية ضد قرار محكمة إسرائيلية بشأن إخلاء 7 عائلات فلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس لصالح إسكان مستوطنين إسرائيليين ستكون شرارة لحرب كرامة وعزة تنطلق من غزة هاشم تعيد الأمور إلى نصابها، وتبخر كل تلك الظنون والأوهام من رأسي. (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) نعم لقد مكث الحق في قلوب هذا الجيل الشاب وبقيت القضية الفلسطينية متجذرة ونابضة بالحياة في قلبه وعظمه ودمه، وذهبت محاولات طمس هويته جُفَاءً.
وبعد 73 عاما من الغطرسة الإسرائيلية، وقتل الفلسطينيين الأبرياء واحتلال أراضيهم، وتهجيرهم واعتقالهم وحصار غزة والضفة الجائر، والدعم الغربي والأمريكي اللامحدود، والتخاذل العربي والإسلامي المؤسف، ندرك الآن وبيقين تام بأن القوة الإسرائيلية التي لا تقهر ما هي إلا كذبة صدقها بعض المغفلين الخانعين، بينما كذبها أبطال المقاومة وأهل فلسطين الإباء الذين ما فتأوا يقدمون أرواحهم قرابين لمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عن الأمة الإسلامية.
قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ). نعم لقد رأيت ذلك متجسدا في أهل فلسطين حقا، ولقد عجبت من شجاعة أطفال غزة وهم يلعبون يوم العيد تحت هدير وقصف طائرات العدو الصهيوني، بقدر ما عجبت من جبن مئات من المستوطنين الإسرائيليين وهم يهربون بملابس البحر هلعين يبحثون عن ملجأ خوفا من صواريخ المقاومة، وليس هنالك وصف أبلغ لهذا المشهد من قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ).
فهل من الصواب اليوم بأن نستمر في قولنا فلسطين المحتلة؟ لا لا تقولوا عن فلسطين بأنها محتلة أبدا، “إن بلدا تدمدم فيها المقاومة ليس بلدا محتلا بعد،” – ألفريد فرج.
وهنا ينبغي تذكير كل من يرى أن المقاومة خيار غير صائب بحجة عدم تكافئ القوى، بعبارة باسل الأعرج: “كل ما تدفعه في المقاومة إذا لم تحصده في حياتك، فستحصل عليه لاحقاً، المقاومة جدوى مستمرة.” إن آلاف الأرواح الفلسطينية التي ارتقت شهيدة إلى السماء في سبيل المقاومة وكان سلاحها الحجر، هي من مهدت الطريق لنرى اليوم وبعد 73 عاما من المقاومة كيف يهرب الإسرائيليون -في مشهد مذل- كالفئران إلى جحورهم وملاجئهم رعبا من صواريخ المقاومة.
يقول تشي جيفارا: “إن مقاومة الظلم لا يحددها الانتماء لدين أو عرق أو مذهب، بل يحددها طبيعة النفس البشرية التي تأبى الاستعباد وتسعى للحرية!” وأنا أعجب كيف لأناس من جلدتنا وينتمون لديننا ثم يتعاطفون مع عدو غاصب يقتل الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد بحجة حرية الرأي والإنسانية المزيفة والسلام. كيف يتوقع هؤلاء سلاما من قوم تسري الخيانة في دمائهم بشهادة التاريخ؟ وكيف يتوقعون سلاما من قوم قتلوا أنبياء الله ورسله، ونقضوا عهدهم وميثاقهم مع الله ورسوله؟ كيف يتوقعون سلاما من قوم ضربوا بالمواثيق والعهود الدولية عرض الحائط؟
في الحقيقة لا أجد لأولئك المتخاذلين الذين رضوا بالاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية العربية على أنه أمر واقع، وينبغي التسليم له والتطبيع مع كيانه الغاصب، والتودد إليه خوفا من بطشه وآلته الحربية، إلا عبارة عميقة قالها تشي جيفارا يوما: “لو أمطرت السماء حرية، لرأيت بعض العبيد يحملون المظلات.”
ألقوا بمظلاتكم قبل فوات الأوان وكونوا أحرارا بحق، فإن بريق تحرير فلسطين يلوح في الأفق، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.