حمد الصالحي يكتب للمسار: غزو البُلهاء
المسار | آراء الكُتاب
الأستاذ حمد الصالحي

يقول الروائي والناقد الأدبي والفيلسوف والأكاديمي الإيطالي أمبرتو إيكو (Umberto Eco): “أدوات مثل تويتر وفيسبوك تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل.. إنه غزو البلهاء.”
يصحو المجتمع العماني المسلم في الآونة الأخيرة على دعوات جعلت من (تويتر) منصة لها تدعو فيها إلى التمرد على الدين الإسلامي باعتباره سببا مباشرا للتخلف العلمي، وسببا في ظلم المرأة، وكبت الحريات. تحاول هذه الدعوات أن تقنع الجماهير بأن الثورة المضادة على الدين واتباع منهج الإلحاد أو اللادين هو سبيل نهوض الأمة وتقدمها العلمي، ويقدمون ثورة أوروبا على الكنيسة أنموذجا.
لماذا قامت ثورة أوروبا على الكنيسة؟
في الحقيقة لم تكن ثورة مارتن لوثر على الكنيسة سنة 1517 ثورة على الدين، بل كانت ثورة لرفض بعض ما استحدثته الكنيسة من تعاليم لم تكن موجودة في المسيحية في عصورها القديمة مثل قضية منع زواج الرهبان، وغيرها من المعتقدات المحرفة الأخرى.
لقد كانت ثورة على احتكار الكنيسة للإنجيل واحتفاظها لنفسها بحق فهمه، وهو السبب الذي رآه مارتن لوثر في غلوها وفقدها للرقيب، ولذلك اشتغل بترجمة الأناجيل اللاتينية -التي تُدَرَّس لرجال الدين وحدهم- إلى الألمانية وجعلها متاحة لجميع المسيحيين.
لقد كانت ثورة على صكوك الغفران التي كان يبيعها (البابا) ورجال الدين للناس حتى يمحو بثمنها ذنوبهم وخطاياهم. ويُروى بأن الفقير الذي كان لا يملك ثمن صك الغفران كاملا يُسمح له بدفع جزء من المال مقابل غفران جزء من ذنوبه.
لقد كانت ثورةً على محاكم التفتيش التي كانت تقمع العلوم والاكتشافات، وتعتقل العلماء والمفكرين وتسجنهم بل وتقتلهم بتهمة الهرطقة. في عام 1611 قامت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بمحاكمة العالم الفيزيائي الشهير “جاليليو جاليلي” بتهمة الهرطقة، لأنه أثبت مركزية الشمس من خلال تلسكوبه المطور، وهو ما يعارض معتقدات الكنيسة وفقاً لتفسيرها لنصوص الإنجيل التي نصت على أن الأرض هي محور الكون وأن جميع الأجرام السماوية تدور حولها. وأجبرت محاكم التفتيش “جاليليو” على التراجع عن أقواله العلمية، ثم حكموا عليه بالحبس المنزلي إلى أن فقد بصره ومات.
ولنقرأ نص تراجع “جاليليو” عن أقواله العلمية بحسب وثائق الكنيسة الكاثوليكية الرسولية بروما حتى ندرك حجم القمع التي كانت تمارسه الكنيسة على العلماء والمفكرين آنذاك:
“أنا المدعو جاليليو جاليلى، ابن فنشنزو جاليلى من سكان فلورنسه، وأبلغ من العمر سبعين عاما، أقسم أنني آمنت بكل معتقدات الكنيسة الكاثوليكية الرسولية بروما، وسأؤمن مستقبلا بكل تعاليمها وما تبشر به، وأعلن ندمى عن كل الأفكار والهرطقات التي أدليتُ بها مسبقا، وعن كل ما اقترفته في حق الكنيسة، وأقسم ألا أعود إلى مثل هذه الأفعال مرة أخرى، وأن أشهد أمام هذه الهيئة المقدسة ضد أي شخص يقترف فعل الهرطقة أو المساس بمعتقدات الكنيسة فور علمي بذلك.”
يتضح مما سبق بأن الكنيسة في القرون الوسطى ممثلة في رجالاتها كانت تمارس أنواعا من الخداع والظلم بحق الناس، وكانت تحارب العلم والعلماء باسم الدين الأمر الذي دفع الناس إلى الاعتقاد بأن الدين هو سبب التخلف والظلم الذي تعاني منه المجتمعات الأوروبية.
وهنا نقول لدعاة الثورة على الدين بأن استنساخ ثورة مارتن لوثر في مجتمعاتنا الإسلامية هي محاولة حمقاء يقودها جهل عظيم بتعاليم الدين الإسلامي، فالقرآن الكريم حُفِظ على مدى أربعة عشر قرنا من أيدي العابثين والمحرفين بعكس ما حدث للكتب المقدسة السابقة التي لحقها التحريف بالزيادة والنقصان. يقول الله تعالى: “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” – البقرة (79).
لا يوجد في الدين الإسلامي مصطلح رجال الدين كما في الكنيسة بل هم علماء ربانيون درسوا الكتاب بضوابط العلم الراسخة وفسروه ضمن قواعد متينة ورصينة، فتعددت مدارس التفسير والفقه بتعدد آراء العلماء وفهمهم وهذا لم يكن موجودا عند رجال الدين المسيحي فلم يكن يجرؤ أي منهم على مخالفة رأي الكنيسة الباباوية وإلا تم التنكيل به كما حدث لمارتن لوثر.
لا توجد واسطة بين العبد وربه في الإسلام فلا اعترافات ولا صكوك غفران. التوبة مفتوحة متى شاء العبد الرجوع إلى ربه، كما يستطيع المسلم أن يدعوا ربه وقتما شاء وأينما اختار. يقول عز وجل: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ” – البقرة (186).
لم يحارب الإسلام العلم يوما، وكيف يحاربه وهو الذي يأمر الناس بالقراءة والعلم بل ويثني على العلماء وذوي الألباب. أليس القرآن من يدعو الناس إلى التفكر والتبصر وألا يتبعوا مناهج آبائهم إلا بعد النظر فيها وتمحيصها عقلا ونقلا. يقول الله تعالى: “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا” – طه (114)، ويقول عز وجل: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ” – المجادلة (11)، ويقول جل وعلا: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ” – الزمر (9).
وهنا نخلص بأن مجتمعنا الإسلامي لا تتوفر فيه أي من الأسباب التي دفعت أوروبا إلى الثورة على كنيستها. إن الإسلام في جوهره هو ثورة على تحريف الكتب المقدسة، وثورة على ممارسات رجال الدين التي شابها خداع الناس وأكل أموالهم بالباطل، وثورة لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور.
إذن لماذا تقدمت أوروبا علميا؟
في الحقيقة أوروبا لم تتقدم علميا لأنها تركت الدين واتجهت إلى الإلحاد، بل لأنها أزالت عقبة الكنيسة التي كانت تحارب العلم، واستمسكت بِعُرى منهج العلم الصحيح وأسسه.
هل وصل الغرب إلى ما وصلوا إليه من علوم إلا بفضل آثار علوم علماء المسلمين؟ في الوقت التي كانت أوروبا تعيش عصور الظلام والجهل، كانت الحضارة الإسلامية تبني المكتبات وتؤلف المؤلفات في شتى صنوف العلم. اقرأ عن ابن الهيثم الذي اعتمد إسحاق نيوتن ورينيه ديكارت على مؤلفاته في البصريات، وعن “حكيم الأندلس” عباس بن فرناس الذي سبق الأخوان (رايت) في محاولة الطيران، وعن عميد الجراحين أبو القاسم الزهراوي، وعن عالمة الفلك مريم الإسطرلابية، وعن الجزري العالم المسلم العظيم الذي أنصفته أوروبا، فاسمه يملأ المتاحف العالمية بينما لا ذكر له بيننا، وعن الكيميائي جابر بن حيان، وعن أعمال الخوارزمي التي كان لها أكبر الأثر على علم الرياضيات في أوروبا. كتب الأستاذ الجامعي فيكتور كاتز قائلاً: “معظم الأعمال الأولى في الجبر في أوروبا، اعتمدت في الأساس على الترجمات لأعمال الخوارزمي والعلماء المسلمين الآخرين. كما أنه كان هناك إقرار بأن معظم علمي حساب المثلثات المستوي والكروي ينسبان إلى العلماء المسلمين”.
إن أي دولة جعلت العلم هدفها وأخذت بأسبابه استطاعت أن تحقق النمو والتقدم لشعوبها مهما كان دينها، ولم يلزم الدول في محاولاتها الحثيثة للتقدم العلمي أن تتخلى عن دينها وقيمها، فكثير من الدول في المشرق والمغرب متطورة ومتقدمة علميا ولازال أفرادها متمسكين بدينهم وعقائدهم المختلفة.
ماذا حصدت أوروبا من العلم؟
كان العلم بوابة أوروبا وغيرها من دول المشرق للتقدم التكنلوجي والحضاري الذي نشهده اليوم. هناك تقدم في كل مجالات الحياة الطبية والهندسية والفلكية والاقتصادية والعسكرية بفضل التقدم العلمي الذي وصلت إليه تلك البلدان والذي انعكس إيجابا على رفاه الشعوب وتحسين أوضاعهم الاجتماعية، وبل وصير بلدانهم ذات قوة وهيبة بين دول العالم، فعم الاستقرار السياسي وسادت العدالة الاجتماعية والحريات.
وماذا حصدت أوروبا من غياب الدين؟
في الوقت الذي تحصد فيه أوروبا ثمار ثورتها العلمية اليانعة، تحصد كذلك خيبات أخلاقية ومشكلات اجتماعية كبيرة بغياب الدين وتهميشه في واقع حياة الناس.
لقد كان غياب الدين سببا لكثير من المشاكل الأخلاقية والمجتمعية التي انتشرت في الغرب وغيرها من دول المشرق التي اتجهت إلى اللادين أو الإلحاد. انتشر الشذوذ الجنسي بدعوى الحرية الشخصية حتى أضحى المجتمع الشاذ مقبولا ومقننا في تلك الدول رغم أن جميع الأديان تحرمه وتنكره. فبحسب (CNN) أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكماً تاريخياً عام 2015، يقضي بمنح الحق للمثليين جنسياً بالزواج في كافة الولايات الأمريكية، وهو الحكم الذي وصفه الرئيس باراك أوباما، بأنه “انتصار لأمريكا.. وانتصار للحب.”
وبغياب الدين لم يعد الزواج مقدسا كما تحث عليه الأديان السماوية، ولم يعد الإنجاب في إطاره أمرا مهما، ففي عام 2018 كشف مكتب الإحصاء الأوروبي أن 43% من المواليد في الاتحاد الأوروبي سنة 2016 ولدوا خارج إطار العلاقات الزوجية.
في 2017 كتب محمد هاني صباغ في مقال له بعنوان (ما لا تعرفه عن معدلات التحرش والاغتصاب في الغرب): “تعاني الكثير من البلاد الغربية من مشاكل تحرّش واغتصاب تفوق تلك الموجودة في كثيرٍ من بلاد الإسلام. يتحجج الكثير من الناس أنّ سبب التحرّش عندنا هو الكبت والفصل بين الجنسين وعدم الانفتاح على الآخر بالإضافة إلى بعض الموروثات الدينية. لكننا نتساءل عن مدى صمود هذه الحجج أمام الإحصائيات الغربية.” هل هناك كبت في أمريكا والسويد؟ هل هناك عدم انفتاح وانغلاق بين الجنسين في استراليا وبلجيكا؟ لا يبدو أن أي من هذه الحجج منطقي بالنسبة للأوضاع في بلادنا. جاءت الولايات المتحدة والسويد وأستراليا وبلجيكا ضمن قائمة لأعلى 11 دولة في معدل جرائم الاغتصاب حول العالم لعام 2018. القائمة نشرها موقع “trendrr”المختص بعرض قوائم الصدارة العالمية في مختلف الأصعدة، استنادا إلى إحصاءات لمراكز ومنظمات بحثية محلية ودولية.
تأتي السويد في المرتبة الرابعة عالميًا من حيث الدول التي تتصدر معدلات جرائم الاغتصاب، والأولى أوروبيًا وغربيًا، بواقع 64 حالة اعتداء جنسي لكل 100 ألف شخص. واللافت في الأمر أن السويد تعد واحدة من الدول الأكثر تقدما في العالم، ورغم ذلك، تتعرض كل واحدة من بين 3 سويديات إلى الاعتداء الجنسي بعد مرحلة المراهقة، وفقا للبيانات المقدمة من المجلس الوطني السويدي لمكافحة الجريمة.
كان غياب الدين وقيمه سببا في انتشار شواطئ العراة في البلدان التي تتشدق بالحرية والانفتاح، بل وتنظيم مهرجانات عري سنويا. يشارك آلاف البريطانيين في مسيرة “ركوب الدراجات عراة” سنويا بوسط لندن للتوعية بشأن حماية البيئة والدعوة لتعزيز حقوق استخدام الدراجات الهوائية. ولست أدري ما علاقة التعري بحماية البيئة.
وهل انتشار صناعة الأفلام الإباحية وتقنين شركاتها إلا دليلا واضحا على تهميش الدين وقيمه واللهث وراء الربح دون مراعاة لآثاره السلبية على المجتمعات. تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية صناعة الأفلام الإباحية حول العالم، بنسبة 89% تقريبا، إذ تنتج الولايات المتحدة الأمريكية فيلما إباحيا واحدا لكل 39 دقيقة.
ختاما، وحتى لا أجعل للسأم طريقا لقلبك عزيزي القارئ، أكتفي بهذا القدر مع التأكيد بأن العلم والدين الإسلامي يسيران جنبا إلى جنب لتحقيق سعادة الإنسان، وتحقيق كرامته الإنسانية. وعلينا أن نفهم جيدا بأن الأصوات التي تنادي بالثورة على الدين لم تفهم كُنه الدين أصلا، وربما لم تقرأ إلا صورة مشوهة له من هنا وهناك. في الحقيقة، لسنا بحاجة إلى ترك ديننا حتى نتقدم ونتطور، إننا بحاجة إلى الرجوع إلى العلم والأخذ بأسبابه. لقد كنا يوماً سادة للعالمين علما ودينا، وسنعود كما كنا ولو كره الكافرون!