المهندس علي بن طالب الشيادي يكتب للمسار: أجنحة لا تنكسر
المسار | آراء الكُتاب
المهندس علي بن طالب الشيادي

كل من يعرف كاسباروف الروسي يُدرك أي قوة يخبئ لخصومه حين يلاقيهم في مواجهات الشطرنج ، و أي ثقة جعلته يتخذ من حركة رفع ساعته من على الطاولة ليزيّن بها معصمه إشارة للنّد أن حان وقت الانسحاب ، مما يجعل الخصم مرتبكاً و كاسباروف يعدّ العدة لإنهاء الجولة.
لم يطل الأمر كثيرا حتى فكر منافسوه بحيلٍ للإطاحة به، و في كل مرة يفشلوا فيها و ينتصر كاسباروف مجددا ، غير أن مهندسي IBM فكروا بطريقة أخرى ، فوظفوا التقنية و لغة الخوارزم باختراعهم للآلي ( ديب بلو ) الذي قام بدوره في زعزعة ثقة كاسباروف بنفسه ، ليسجل هزيمته في عام 1997 ، و حين سُئل بعد أيام من تلك المواجهة البشرية الإلكترونية ، قال عن ديب بلو : ( فجأة ، للحظة لعب و كأنه إله ).
ليس كاسباروف وحده من يجد نفسه محاطاً بمجموعات من البشر الذين لا يهمهم نجاحهم بقدر ما يهمهم إسقاط الناجحين ، و في سير الأنبياء – عليهم السلام – ما يؤكد ذلك ، فأبو جهل حين تمكنت منه نبرة ال ( أنا ) و أبو لهب و امرأته و ما تملّكهما من غِل و حقد ، و مشركوا قريش و منافقوا المدينة غيرهم ، عندما لمسوا نجاح دعوة الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حاولوا عرقلته فآذوه في دينه و نفسه و عرضه و كل شيء.
و نوح ( عليه السلام ) الذي استهزؤوا فيه و آذوه في محاولات لعرقلة مسيره ، و إبراهيم و يوسف و موسى و عيسى و غيرهم من الأنبياء ( عليهم السلام) ممن عانوا من حقد الأنفس الضعيفة ، و غل القلوب السوداء.
الحقيقة المطلقة أن النجاح دائما ما ترافقه التحديات التي قد يصنعها البعض لتكون عقبات و صعوبات ، إلا أن الناجح المكافح المتوكل على ربه يتجاوز هذه المطبات بإرادة الله ، و كثيرا ما يعقب ذلك الضرائب التي تأتي بعد كل نجاح ، و إن ما يتعرض له أصحاب الطموحات العالية ، إنما هو نتيجة للتميز الذي يستفز الحمقى الذين لا يهمهم نجاحهم بقدر ما يهمهم إسقاط الناجحين .
و الواقع أن هنالك ثمة من يتلبّس بلباس البشرية ليقتنصوا كل فرصة يحلّق فيها ذوي الهمم الوقادة في سماوات النجاح و التفوّق ، من أجل تصيّد أي ثغرة قد تكون مدخلا لهم للإطاحة بالمتميزين.
إن الهجمات الشرسة التي يواجهها أولئك الناجحون المكافحون من أجل حياتهم و مستقبلهم لا تزيدهم إلا إصراراً لبلوغ القمم و الحفاظ على الصدارة ، و النوايا الخبيثة التي يضمرها الساعون للخراب لا تضر إلا أصحابها.
يبرز أحدهم في وظيفة أو مهمة تطوعية أو كاريزما معينة وصل إليها بجدّه و اجتهاده ، و بذل ما في وسعه بالغالي و النفيس من أجل الوصول إلى المرام ، فيخرج من عاش دهره بين الحُفَر ، و يرفع عقيرته من القاع الذي يسكنه ، محاولا تقزيم جهد الطامحين فيفشل ، ثم يبدأ بكيل التهم إليهم فلا يجد آذانا مصغية ، ثم يجمع قوى الشر و الفساد ليكذبوا كذبة عن الناجحين فيصدقونها هم ثم يوهمون الآخرين بها و لا يلتفت إليهم إلا من تزعزت ثقته بنفسه ، و هكذا يستمر الفاسدون في الإساءة للناجحين المخلصين.
هذه التصرفات التي ينتهجها البعض في عرقلة دروب المجتهدين قد تتنوع و يتفنن بها أصحابها ، فتكون على هيئة احتجاجات شفهية أو مكتوبة ضد المثابرين ، و تكون – في أحيانٍ كثيرة – بصورة عقبات و مطبات تُصنع ضدهم ، و تكون كذلك في مقام تحديات أخرى يتم وضعها في دروب الناجحين .
و حيث أن هذه الحرب الشعواء ( رغم إيذائها ) لا تمثل أية عقبة أمام إصرار الطامحين ، فإن التركيز على الهدف لدى أصحاب الهمم المتقدة ، يجعلهم يمضون غير آبهين لما يحاك ضدهم ، مصطحبين التوكل على الله أينما حلّوا و ارتحلوا ، إلا أن المفسدين المرجفين في الأرض يستمرون في السعي الحثيث لإسقاط من تربعوا القمم ، فيعملون حينها على حياكة حِيل أخرى يتتبعون بها الناجح أينما كان و أينما ذهب ، حِيلٍ تستهدف – أحيانا – التشكيك في أمانة الشخص المبادر ، و قد تصل إلى الطعن في أخلاقه و تربيته ، و تارة لا يسلم له عرضٌ و لا شرف من سهام الغدر ، و لا مبالغة في ذلك الوصف ، بل قد يصل الأمر عند البعض إلى صناعة المؤامرات و التزوير و محاولة صنع الأفخاخ لمن ظهر جهده ، لتشويه صورته أمام الشخصيات التي وثقت بالنجاح و الناجحين ، و لا غرابة من هذه التصرفات حين وصلت لحد التعامل بالشعوذة و غيرها من قبائح الأمور.
فهنا همسة في آذان الطامحين الناجحين : لا تلتفتوا لأمثال هؤلاء و امضوا في طرقكم ، فإذا تشبه القوم بامرأة أبي لهب حين تضع الأشواك و القاذورات في طريق سيّد البشرية ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فتشبهوا بيوسف ( عليه السلام ) حين تآمر عليه أكثر من طرف ثم جاؤوا يخطبون ودّه بعد أن فشلت مساعي المتآمرين ، و لا تتعبوا من حماقاتهم ، بل كونوا كما يقول المثل : ( السيح ولّا الضبي ) ، و لتعلموا أن التحديات لا توقف المسير ، بل تعطي دافعا أكبر لمواصلة العطاء و البقاء في القمم.
و هنا رسالة للحاقدين صنّاع العقبات و العراقيل : ستتعبون و تتعبون و تتعبون ثم ستفشلون في سعيكم و سيتحقق النجاح الدائم لأصحابه ، فالناجح يؤمن أن لن تضروه بشيء إلا ما كتبه الله عليه ، و سيستمر الناجحون في التحليق فوق القمم ، فلهم أجنحة لا تنكسر و لهم سواعد لا تكل و لهم همم لا تلين.