المسار | آراء الكتاب
الكاتبة الأستاذة لهية حمد سعيد القريني تكتب لـ صحيفة المسار: الممارسة التأملية!
lahiya@gmail.com
التأمل والتدبر كلمات تعودت أبصارنا على رؤيتها، كما تعودت آذاننا على سماعها، ولكنها تأخذنا إلى مصطلح آخر وهو الممارسة التأملية، فماهي الممارسة التأملية؟، وما علاقتها بالأعمال التي نمارسها، وما هي مراحلها، وماهي أنماط ممارستها بشكل عام وفي العملية التعليمية بشكل خاص، وما أهميتها في الحياة، كل تلك التساؤلات سوف تجيب عنها السطور القادمة.
ظهرت أولى بدايات الممارسة التأملية على يد جون ديوي عام (1933) في كتابه (كيف نفكر). ثم بدأ الاهتمام بها في العملية التعليمية؛ لما لها من أهمية في هذا المجال؛ حيث انها تحوي بين طياتها التفكير حول التعليم باستخدام التأمل المستمر في الموقف التعليمي، والذي يقود إلى تطوير وتحسين الممارسة عبر استقصاء منظم يبدأ منفرداً بالتأمل في خبرات التعلم، وينتهي تشاركياً تعاونياً بحيث يعمل على تشكيل تلك الخبرات من خلال التفاعل بين الطلبة، ويرى منظر التعلم التجريبي أن التعلم يكون أكثر فعالية وقدرة على أحداث تغيير سلوكي عندما يبدأ بالخبرة.
وتعرف الممارسة التأملية على أنها أنشطة تأملية ينجذب إليها الفرد لاكتشاف خبرة جديدة، تقوده إلى مفاهيم وتقديرات واضحة لتحسين نموه المهني، وهي أيضاً القدرة على التبصر في تصرفات فرد ما للمشاركة في عملية التعلم المستمر. أما الأساس المنطقي الرئيسي للممارسة التأملية هو: أن الخبرة وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى التعلم، والتعلم المعتمد على التجربة ضروري، وأنها طريقة مهمة للجمع بين النظرية والتطبيق.
والممارسة التأملية في مفهومها الواسع ترى عملية تطوير المعلم على أنها : عملية تأملية خارجية وداخلية في الوقت ذاته فالتأملية هي الممارسة التي يقوم بها المعلمون في إطار السعي بغية تطوير أساليب التعليم، وما يتصل بها من نشاطات مثل: جمع المعلومات وتوظيفها في التحليل الذاتي والتقويم الذاتي، والنمو الوظيفي.
وتمر الممارسة التأملية بعدة مراحل وهي:
- التأمل من أجل العمل: تقتضي هذه المرحلة من المعلم الذي يمارسه إتباع طرائق ذهنية يعي من خلالها الأهداف المراد تعلمها، والسلوكات التعليمية المرغوب في إتباعها النتاجات المنوي تحقيقها.
- التأمل أثناء العمل: وهو يتطلب تفكيراً واقعياً، و تقتضي هذه المرحلة من المعلم الذي يمارسها إتباع طرائق ذهنية يدرك من خلالها أثر سلوكياته في انجاز المهمات التعليمية المتنوعة.
- التأمل بالعمل: في هذه المرحلة تتم عمليات تفكير منظمة عند المتأمل حيث يعي المعلم منها نتائج سلوكاته التعليمية، والقرارات التي اتخذت بموجبها بعد تنفيذ المهمات التعليمية ذاتها في ضوء التغذية الراجعة التي حصل عليها بعد تنفيذ المهمات التعليمية، ويساعده في وضع قرارات معدلة.
و للممارسة التأملية ثلاثة أنماط هي:
التأمل الاسترجاعي: وهو التأمل في استعادة الأحداث الماضية أو التطلع إلى الوراء للتأمل فيما حدث أثناء الخبرة السابقة.
التأمل الآتي: وهو ممارسة التفكير في أثناء القيام بالعمل.
التأمل التوقعي: وهو تأمل في العمل قبل حدوثه وطريقة لإدراك المواقف قبل معايشة الخبرة.
وتمر الممارسة التأملية بست خطوات هي: وصف ما حدث، الشعور فيما نفكر ونشعر به، والتقويم والتحليل، والاستنتاج، ووضع الخطة الإجرائية في ماذا سنعمل لاحقاً.
كما أن للممارسة التأملية عدة إجراءات تعليمية وهي: تنمية اتجاهات ايجابية نحو التأمل، بحيث يمارس المعلم عملاً تأملياً، تنمية استراتيجيات التأمل وإكساب المعلمين المهارات الخاصة بالتأمل، تنظيم جلسات للمعلمين في مجموعات؛ لدراسة التقارير التي يعدها المشرفون.
والممارسة التأملية تهدف في الأساس إلى الأخذ بيد المعلم؛ لكي يصبح أكثر اهتماماً بالتفكير في ممارساته، موجها بقدراته الذاتية، حريصاً على تطوير كفاياته المهنية، ولا يتأتى ذلك بشكل فاعل إلا بتوفير مناخ داعم، وبيئة تعليمية محبّبة، ونظام اتصالات مفتوح يمكّن المعلمين من التواصل وطرح أفكارهم وآرائهم ومقترحاتهم، وتقويم أدائهم الذي يقومون به من حيث: أهدافه ونتائجه للعمل على تطوير قدراتهم؛ حتى يتمكنوا من تحقيق متطلبات التفكير الإنتاجي والتقويم والتنمية المهنية الذاتية.
ويتضح مما سبق أن الإنسان لا يتعلم كثيراً من خبراته، وإنما من تأملها والتفكير فيها وملاحظتها وتحليلها، وتستوجب هذه العمليات العقلية معارف تساعدنا على التنظيم والتمييز بين المظاهر والخصائص وعلى ربط العلاقات، ووضع التساؤلات والفرضيات.
وترى المغيريّة( 20007)أن المشرف التربوي يلعب دور المشجع في تنظيم عملية التأمل، وتنمية اتجاهات إيجابية لتطويره، وتنمية استراتيجياته، وتعريف المعلمين بمجالات التأمل والسلوكات التي يمكن تطويرها عن طريقه، وتزويدهم بالأدوات التي تساعد على التأمل، وتنظيم جلساتهم في مجموعات لدراسة التقارير التي يعدونها، ومساعدتهم على توظيفها، وان الآثار الإيجابية المنعكسة على المعلم بتوظيف أسلوب التأمل، تعطي المعلم الخيار والتفكير، إذ لا يطلب منه تنفيذ المقترحات ، بل التفكير فيها، ثم اختيار ما يناسبه، كما أنه يسهم في تمكين المعلم، عن طريق الحوار مع النفس والزملاء، بحيث يطوّر المشرفون والمعلمون مهارات البحث والتفكير الناقد، والاستبصار والتفكر، وتعزيز الأنماط البديلة للتفاعل المهني، كما أنه يعزز تحمل المسؤولية الاجتماعية.
ولكننا نرى أن ضغوط العمل المتزايدة على المعلمين، تظل عائقاً يحول دون ممارستهم التفكير التأملي، فمن متطلبات نجاح التفكير التأملي: تدريب المعلمين على ممارستها، وتزويدهم بأدوات الملاحظة، والتقويم الذاتي، وهذه تحتاج إلى وقت لتطبيق استراتيجياتها، نوردها فيما يلي: ملف الإنجاز المهني أو الملف الوثائقي، كتابة المذكرات، سجلات المعلمين التعليمية: الصحف التأملية، التقويم الذاتي، البحث الإجرائي( سلطان، 2017).
إن الممارسة التأملية تسهم في ترسيخ منهجية جديدة للتطوير والتأهيل التربوي مع إضافة فهم جديد الى التطوير المهني القائم على أساس التأطير النظري للممارسات المهنية للمعلم من خلال وضع المعايير، وصياغة الأسئلة، والمحيط الذي يتيح الانخراط في دائرة بناء النظرية (عبر الزمان والمكان) عند تحليل الممارسة التدريسية قيد التأمل.
وللممارسة التأملية عدة تقنيات يمكن للقائد التربوي أن يستخدمها وهي:
- الملف الوثائق: وهو وسيلة لتشجيع التأمل من أجل التطوير والتقييم الوظيفي.
- التفكير بصوت عال، بشكل مقصود في التخطيط واتخاذ القرارات.
- – الاحتفاظ بسجل للأفكار لتحليلها والتأمل فيها.
- البحوث الإجرائية: ويتم فيها اختيار مشكلة معينة تهم المشرف التربوي، وتصميم خطوات لجمع المعلومات عنها، واستخدام تلك المعلومات لمعرفة مستقبل المشكلة والعمل على التعامل معها بما يؤدي إلى كشف الغموض وحلها.
- أشرطة الفيديو والأشرطة السمعية: حيث يقوم القائد بتسجيل الموقف ثم يقوم بمشاهدته وتحليله بأسلوبه.
- توفير الكفايات : حيث يتم اختيار مجموعة من الكفايات المحددة، ويقوم القائد بترتيب كفاياته في هذه المعايير من الأكثر إلى الأقل.
- مجموعات التعلم: وهي عبارة عن عدد قليل من الأفراد يتحدون معاً بهدف تنمية القدرات.
- البروتوكولات المتناغمة: وهي عبارة عن مجموعة من الزملاء يعملون على فحص أعمال بعضهم البعض مع الإشادة بالأعمال المتميزة وذلك أثناء جلسة رسمية متناغمة.
- الصحيفة التأملية: تهتم بتسجيل الملاحظات وإبراز وجهات النظر.
وأخيرا تبقى الممارسة التأملية مهارة لها ما للمهارات من خطوات ومتطلبات، ويبقى التدرب على اكتسابها وممارستها هي الفيصل عند من يقول إنني أجيد مهارة الممارسة التأملية.