
رواد أعمال: القطاع سيكون رافدا مهما للاقتصاد الوطني في حال توفر هذه المقومات …
رواد الأعمال يترقبون تدشين منصة التمويل مطلع العام المقبل
-علي شاكر: اهتمام الدولة أثمر عن تطورٍ واضح في الفكر الريادي
– مساهمة ريادة الأعمال في الاقتصاد العماني لا تتجاوز 15%
- أحمد الكندي :ازدهار ريادة الأعمال يعتمد على القوة الشرائية
- محمد البلوشي : أثر بالغ لـ”كورونا ” على مشاريعنا
- محمد باتميرا : المحطة الواحدة ضرورية لتسهيل إجراءات التراخيص
– منى الحضرمية: برامج تمويل حكومية بنسبة فائدة منخفضة
المسار | تحقيق – روان الشكيلية – الثريا الرمحية
يتعاظم الدور الذي تنهض به ريادة الأعمال في دعم اقتصادات الدول، ويظهر جليا تأثيرها الملحوظ في تسريع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية بها.
لذا تولي الدول اهتمامًا متزايدا ، وتكرس جهودًا جبارة في سبيل مساندة قطاع ريادة الأعمال، وتمكين رواد الأعمال في ظل الوعي المتنامي بدورهم المحوري في التنمية بمفرداتها المختلفة ، وانطلاقًا من الفهم المتقدم الذي ينظر للقطاع باعتباره رافدًا حيويًا للاقتصاد ، ونقطة تحول لتحقيق أهدافه في الرفاهية والاستدامة.
ويتبين لنا حجم إسهام ريادة الأعمال في الاقتصادات العالمية من خلال واقع الإحصائيات لبعض الدول على سبيل المثال؛ حيث تسهم مشروعات ريادة الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر من 50% من إجمالي ، وفي الصين ترتفع النسبة إلى نحو 60% .
وسلطنة عمان من الدول التي أولت اهتمامًا مشهودًا لتطوير القطاع خاصة في السنوات الأخيرة، ويقف شاهدا على ذلك حزمة الحوافز التي أتاحتها الدولة للشباب تشجيعًا لهم على خوض غمار ريادة الأعمال بما يحقق الفائدة لهم ، ويعود بالنفع على الاقتصاد الوطني .
ولكن إلى أي مدى نجح قطاع ريادة الأعمال في السلطنة ليصبح رافدًا مهمًا للاقتصاد الوطني؟
قبل طرح السؤال على عددٍ من رواد الأعمال والمهتمين بالقطاع في سياق هذا التحقيق، نستعرض المؤشرات العامة التي يمكن الاستدلال بها، والحكم من خلالها على نجاح القطاع من عدمه:
في مقدمة هذه المؤشرات الإسهام في توفير احتياجات المجتمع من السلع والخدمات بالكيفية والجودة المطلوبة والتي تلبي تطلعات أفراد المجتمع، وثاني هذه المؤشرات توفير فرص العمل، خاصة في ظل ارتفاع معدلات البحث عن عمل عالميًا (وزاد الوضع تعقيدًا انتشار جائحة كورونا ) ، والمؤشر الثالث والأخير في قياس فاعلية ونجاح مشروعات ريادة الأعمال يتمثل في توطين التقنية، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة وتطبيقاتها المختلفة ، وتفعيل التفكير الإبداعي وتحويل الأفكار إلى منتجات وخدمات مبتكرة تصب في خانة خدمة المجتمع وتعزيز رفاهيته .
ورغم ما يبديه البعض من ملاحظات حول عزوف الشباب العماني عن الانخراط في هذا القطاع، وتفضيل الوظائف الحكومية عليه (رغم طول طوابير الانتظار لهذه الوظائف)، ثمة مؤشرات إيجابية ومنها ما أظهرته نتائج مسح المرصد العالمي لريادة الأعمال لعام 2021 ، حيث أوضح أن مجمل نشاط ريادة الأعمال في مراحلها المبكرة في سلطنة عمان (إجمالي النشاط الريادي) ارتفع بأكثر من ضعفين في عام ۲۰۲۰ مقارنة بعام ۲۰۱۹، حيث سجل نموًا من ٦,٧٪ إلى ١٦%، وهو أعلى نسبة للارتفاع من بين كافة الاقتصادات المشاركة في المرصد العالمي لريادة الأعمال.
على ضوء هذه المؤشرات والملاحظات؛ ما واقع هذا القطاع الحيوي في السلطنة ؟ وما الآفاق المستقبلية التي يستشرفها؟
تحديات وآفاق

يرى رائد الأعمال أحمد الكندي، صاحب سلسلة مطاعم تشينج، أنّ ازدهار قطاع ريادة الأعمال يعتمد بشكل كبير
على زيادة الاقبال على منتجاته وخدماته، وهذا بدوره يعتمد على القوة الشرائية للمتعاملين مع القطاع . لذلك نلاحظ أن من بين العوامل التي تؤثر على القطاع وتحد من ازدهاره ، زيادة نسبة الباحثين عن عمل، لأنها تنعكس بشكل مباشر على ضعف القدرة الشرائية في السوق.
هذا إلى جانب العوامل الأخرى المتعلقة بارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات مع ثبات الدخل ، كل ذلك يجعل قطاع ريادة الاعمال يواجه تحديات تتطلب تضافر الجهود لتذليلها حتى يتمكن هذا القطاع من مواكبة التطلعات الكبيرة المعقودة عليه لدعم الاقتصاد الوطني وتعزيز استدامته .
ويستطرد الكندي : كما أن القوى العاملة الوافدة تشكل في جانب منها ، داعم أساسي للطلب على الخدمات والسلع وبالتالي تزيد القوة الشرائية مما يساعد في إنعاش مؤسسات ريادة الأعمال، لذا نلاحظ التأثير الواضح على أنشطة هذه المؤسسات في الآونة الأخيرة بسبب عودة العديد من القوى العاملة الوافدة إلى بلدانهم جراء انتشار جائحة “كوفيد 19 ” والتي ألقت بظلال سالبة على جميع اقتصادات العالم .
لقد نجم عن هذا الأمر – كما اسلفت – انخفاض كبير في القوة الشرائية في السوق. ويؤكد على أهمية ضخ المزيد من الإنفاق الحكومي في شرايين الاقتصاد ، وخلق المزيد من الفرص الوظيفية ، وتعزيز السيطرة على الأسعار والتضخم ، لأجل تدعيم القوة الشرائية في السوق بما ينعكس على ازدهار قطاع ريادة الأعمال وبالتالي انتعاش الاقتصاد الوطني ككل.
ويسلط الكندي الضوء على جانب آخر من التحديات التي تجابه القطاع ، وهو تشابه الأفكار الاستثمارية وتكرارها بصورة واضحة ، وبدون ابداع أو ابتكار، ليتشبع السوق من أنشطة معينة والتي تأتي على شكل موجات و”هبّات” في فترات محددة ، بينما يفتقر السوق إلى مشروعات أخرى يحتاجها المجتمع ويمكن أن تكون مربحة لرائد الأعمال . وبناء على ذلك نجد أن الكثير من المشروعات سرعان ما تتوقف ويقوم أصحابها من رواد الأعمال بتصفيتها بعد أن يكونوا قد تكبدوا خسائر كبيرة في التأسيس ومحاولة تسيير العمل في الفترة التي تعقب التأسيس ، لأن السوق لا يتحمل كل هذا الكم من الأنشطة المتشابهة .
وينوه الكندي بسهولة الحصول على التراخيص والتصاريح لإقامة مشروعات ريادة الاعمال ، لاسيما أنه أصبح من السهولة فتح سجل تجاري من خلال الهاتف، فهناك مرونة وسهولة في الحصول على التراخيص ، وقد أسهمت مكاتب سند في ذلك .
ويبدي الكندي تفاؤله بشأن مستقبل ريادة الأعمال في السلطنة ، مستدلًا على ذلك بما تتمتع به السلطنة من مقومات اقتصادية وفرص استثمارية واعدة ، وموقع استراتيجي ، وكل هذا ينبئ بمستقبل مشرق لريادة الأعمال.
تطور وتعزيز

فيما يؤكد علي شاكر رئيس قطاع تطوير الأعمال والشراكات بمركز الزبير للمؤسسات الصغيرة، أن هناك تطورًا واضحًا في الفكر الريادي نتيجة اهتمام الدولة والجهات الخاصة التي تشجع القطاع ، إضافة إلى التطور المستمر للبيئة الحاضنة لمشروعات ريادة الأعمال ، ويتبدى ذلك في برامجها المعززة لهذا القطاع ، وقد اثمر ذلك عن زيادة الإقبال على ريادة الأعمال من قبل المواطنين.
ويستدرك شاكر قائلا : ولكن رغم ذلك ، هناك صعوبات تكتنف تمويل مشروعات ريادة الأعمال، من حيث الشروط الصعبة من قبل الجهات الممولة لهذه المشاريع، فقد يطلب بعضها أحيانًا وجود ضمانات كالعقارات، والتي لا تتوفر لدى غالبية الشباب المقبلين على الدخول إلى عالم ريادة الأعمال ، فهم في معظمهم يتلمسون خطاهم في بداية مسيرة حياتهم ، وهذا تحدٍ قد يحول دون الكثير من الشباب والتوجه إلى مجال ريادة الأعمال .
ويكشف شاكر عن أن نسبة مساهمة ريادة الأعمال في الاقتصادات الخليجية- وعمان بشكل خاص- لا تتجاوز 15%، وهي نسبة تحتاج إلى جهد كبير لتصل إلى المستوى المأمول في المستقبل.
ويتطلع شاكر إلى ضرورة تذليل أية صعوبات تتعلق بالحصول على التصاريح، مع اعتماد مبدأ المرونة التي تمكن رائد الأعمال من الانطلاق في مشروعه بيسر وسهولة، ولتفادي تعطلهم عن أعمالهم بسبب القوانين والتراخيص المطلوبة.
ويشير شاكر في هذا السياق إلى أن هناك عدة مشروعات جيدة توقفت لهذا السبب، رغم محاولات المركز لمساعدة هذه المشاريع بالتنسيق مع الجهات المختصة لكل مشروع، حيث إن هناك عدة جهات تشترك في تراخيص مشروعات ريادة الأعمال ، ووزارة التجارة ليست الجهة الوحيدة الموكول إليها الأمر . وهناك مشاريع أشرفنا عليها توقفت لأكثر من عام بسبب بطء إجراءات التراخيص.
دعم ومتابعة
ويستعرض شاكر دور مركز الزبير للمؤسسات الصغيرة مبينًا أنه أنشئ كمبادرة ضِمن مجموعة الزبير وفي إطار المسؤولية الاجتماعية للمجموعة ، فالمركز منشأة غير ربحية داعمة للشباب، ويركز على تقديم الاستشارات لوجود قصور من هذه الناحية في السلطنة، فالجهات الداعمة يقتصر دورها على التمويل المالي فقط في غالب المؤسسات، كذلك يقوم المركز بتطوير المشاريع، لأن أي مشروع جديد يحتاج إلى تطوير منتجه بحيث يناسب السوق العماني والسوق الخارجي، كما يقيم المركز برنامج الدعم المباشر والذي يختار فيه عشرة مشروعات في الدورة الواحدة ويقدم لها منحة مالية تصل إلى عشرة آلاف ريال عماني لكل مشروع ، إضافة الى تقديم الاستشارات حتى يقوم المشروع، علاوة على خدمة التنسيق بين رائد العمل والجهة التمويلية، لأنها بحاجة إلى من يعطيها الثقة بهذا المشروع.
ويلمح شاكر إلى أنّ جميع المؤشرات الحالية تنبئ عن تطور مستقبلي ، وازدهار مأمول في قطاع ريادة الأعمال، في ظل اهتمام الحكومة والتوجهات الجديدة الداعمة لهذا المجال.
مضيفا: هناك قوانين جديدة مساندة لبيئة العمل مثل قانون التمويل الجماعي، وهو قانون مسهل لريادة الأعمال، سيسري من الأول من يناير ٢٠٢٣م، عن طريق منصة تسمح للمقبل على ريادة الأعمال بعرض مشروعه، ويسمح للكل بتمويله ولو بمبلغ بسيط ليشكل لديه رأس مال للانطلاق بالمشروع، بالإضافة إلى ظهور أفكار لمشروعات مميزة من قبل الشباب العماني تدفع بعجلة ريادة الأعمال إلى الأمام .
أسباب العزوف

فيما يرى رائد الأعمال محمد بن علي البلوشي صاحب مقهى “كرك بن علي” أن ريادة الأعمال تشهد عزوفاً من قبل الشباب الذين يعول عليهم الكثير في ارتياد آفاق هذا القطاع وإثبات وجودهم فيه ، والانعتاق من فكرة انتظار الوظيفة . ويقول البلوشي : من أسباب العزوف المشار إليه آنفًا ، هو ضعف ثقة الكثير من الشباب في مجال ريادة الأعمال ومأمونيته ،نظرًا لأنهم يفكرون في الأمان الوظيفي ويفضلون الالتحاق بوظيفة ثابتة تدر عليهم راتبًا مضمونًا يمكن أن يبني عليه ويخطط لحياته وفقًا لهذا الراتب .
ويضيف : إن معالجة مسألة تعزيز الثقة في قطاع ريادة الأعمال ، بما يشجع الشباب على اقتحامه، يتطلب خطوات محفزة وإجراءات واضحة من قبل الجهات المختصة يمكن لرائد الأعمال الحقيقي الاستناد إليها .ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مشروع قانون أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية الذي دخل في مراحل إعداده النهائية،
ومن مزايا هذا القانون الجديد، أنه سيتكفل بمعالجة العديد من الصعوبات التأمينية ذات الصلة بالعاملين لحسابهم الخاص، حيث سيكفل استيعابهم تحت مظلة التأمين ويكفل لهم بالتالي الحماية الاجتماعية. ومن المأمول أن ينعكس تطبيق هذا القانون على زيادة الإقبال على إنشاء مشروعات ريادة الأعمال.
ويختتم البلوشي بالإشارة إلى أن جائحة “كورونا ” شكلت تحديًا كبيرًا ، وكان لها أثر بالغ على مشروعات ريادة الأعمال ، نتيجة لما صاحبها من منع حركة الأفراد والمركبات مرات كثيرة وفي أوقات عديدة ، ورغم أهمية هذه الإجراءات الاحترازية لمواجهة الوباء ، إلا أن ذلك نجمت عنه خسائر لعدد من أصحاب المشروعات من رواد الأعمال ، خاصة المستثمرين في مجالات بيع الأطعمة والمشروبات ، حيث واكب فترة انتشار الوباء عزوف المجتمع عن ارتياد المطاعم والمقاهي خوفًا من انتقال عدوى الجائحة.
المحطة الواحدة

ويعبر رائد الأعمال محمد باتميرا عن ضرورة أن تكون كل إجراءات مشروعات ريادة الأعمال تحت سقف واحد ومحطة واحدة ، ويتم انهائها في مدة محددة ومعلومة ، على أن تكون جميع المتطلبات واضحة ، مع توفير كافة التسهيلات التي تعين رواد الأعمال على إنشاء مشروعاتهم بسهولة.
تمويل ميسر

وتؤكد منى الحضرمية رئيسة قسم التمويل والاستثمار بهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمحافظة الداخلية ، أن فكر الشباب لم يتغير من ناحية تفضيلهم للوظائف الحكومية والقطاع الخاص بدلًا عن إنشاء مشروعات ريادة أعمال ، ويُعزى هذا إلى تخوف الشباب من فشل المشروع بعد أن يتكبدوا خسائر في تأسيسه.
وتضيف الحضرمية : أن الحكومة قامت بطرح برامج تمويلية، نسبة الفائدة فيها منخفضة مقارنة بالبنوك ولا تتجاوز ٢٪ كذلك مددت فترة السداد لمدة قد تصل لأكثر من ١٥ سنة حسب كل مشروع. وتتم متابعة المشروع من بداية تقديم الطلب حتى انتهاء فترة صرف المبالغ متابعة أولية، وعند انتهاء الصرف تتم متابعته كل ثلاثة أشهر طول فترة سداد المبلغ، ورصد التحديات التي تواجه المشروع ومتابعة الشؤون الإدارية والمالية.
وتختتم الحضرمية بالإشارة إلى هناك عدم وضوح في أذهان الشباب فيما يتعلق بالبرامج التمويلية التي تتيحها الحكومة ومزاياها ، مما يستوجب تسليط الضوء عليها إعلاميا حتى يتعرف عليها الشباب الراغبين في ارتياد مجال ريادة الأعمال .