آراء الكتاب

الكاتبة الثريا الحجرية تكتب لـ المسار:

القليل من فلسفة العزلة.. قراءة في رواية حي بن يقضان

آراء الكتّاب
الكاتبة : الثريا الحجري
لم يكن موت الظبية في رواية ابن طفيل “حي بن يقضان” إلا بوابة قام من خلالها حي- بطل الرواية- والذي قد تمت تربيتة في جزيرة معزولة من قبل ظبية  باكتشاف الله بعيداً عن العالم المادي. اعتبر ابن طفيل العزلة كوسيلة للفصل بين العالم المادي والروحي للإنسان، بافتراض إنه لم يكن لحي أن يكتشف الوجود الإلهي لو أنه عاش وسط المجتمع البشري آنذاك.
لم يكن ابن طفيل الوحيد الذي اعتبر التأطير المجتمعي المعوق الاساسي للوصول الى السمو الروحي؛ بل الكثير ممن عاصروه كأمثال ابن سينا والفرابي.
ولم تكن فلسفة العزلة آنذاك شيئاً جديداً، بل هي نتاج تأثر العلماء المسلمين بمذهب الأفلاطونية الحديثة التي أكدت بضرورة فصل الروح عن المادة لاكتشاف الحقائق.
الأفلاطونية الحديثة وهي الفلسفة التي أُستمدت من تعاليم افلاطون ولكنّها تميزت بالتشعب بعد انتشارها وتأثرها بالعقائد السماوية والاجتهادات الشخصية من قبل تلاميذها. وبالتالي نظراً لأوجه التشابه بين ما دعت عليه هذه الفلسفة من عزلة لمعرفة الحقائق الكاملة وبين مبدأ الزُهد عند الصوفية، وجدت هذه الفلسفة نفسها اكثر عند المؤيدين لها من بعض العلماء المسلمين.
إذن كيف يمكن أن تعتبر العزلة طريق المعرفة والتنوير؟ وكيف يمكن للانسان وهو “اجتماعيّ بطبعة” كما يراه ابن خلدون، أن يستنبط الاشياء من خلال التأمل في عزلته؟ وبنفس هذه الضبابية، أجاب ابن طفيل في الجزء الثاني من روايته (حي بن يقضان) على هذه الأسئلة. ففي الرواية وبعد أن ماتت الظبية بدأ حي في اكتشاف سر الحياة والموت في مخلوقات تلك الجزيرة وتأمل الكون والأجرام السماوية، حتى بلغ مابلغ من التنوير والمعرفه الإلهية. ولكن مالبث أن اكتملت لديه هذه المعارف حتى زار الجزيرة شخصاً من بني جنس حي يقال له (ابسال)، فيبدأ ابسال بتعليمه اللغة والقوانين البشريه لدى سكان جزيرته. لعل ابن طفيل اراد هنا ان يبين انه مهما انفصل العالم الروحي واخذ طريقه الخاصه في اكتشاف الحقائق، لابد وان يرضخ للعالم المادي و الذي هو الوعاء المحيط لهذه المعارف. وهنا استطاع ابن طفيل أن يبين نوعين من المعرفة؛ المعرفة الروحية و العلم. حيث يؤخذ العلم عن طريق العقل (المادة)، بينما تكتسب المعرفه الروحية من خلال التأمل والتفكر المستمر. وغالباً ماتكون العزلة هي الميزان الذي يتحكم بهذه المعادلة. في العزلة تنفرد الذات من خصائصها المادية و حياتها اليومية للبحث عن الحقيقة.
الشك وهي الوسيلة المتبعه لدى الجاحظ للوصول لليقين هي ايضاً اساس العزلة. في العزلة تنفرد بذاتك لايوجد لديك احد الا انت وهذا الشك الذي يدعوك ليأخذك بأسئلته -والتي قد لا تجد لها جواب-الى التبحر في الماضي والحاضر والمستقبل. في هذه العزلة فرصة للإستماع الى ذاتك التي تكون قد اندثرت من فرط المادة في حياتنا. لن تعلم ابدأ اخطاءك المتركبة في الماضي ولن تستطيع ان تحسن منها  في الحاضر الا بهذه العزلة. فهل انت من محبي العزلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى