2021jul21آراء الكتاب

الدكتور محمد الجهوري يكتب للمسار: فسخ عقد البيع وفقا لقانون المعاملات المدنية

المسار    |  مسارات قانونية

الدكتور محمد بن عبد الله بن سعيد الجهوري

دكتوراه الفلسفة في القانون

Mohd.8013@gmail.com

ان  إخلال البائع بالتزامه بالتسليم يترتب عليه جزاءات و من بين تلك  الجزاءات  فسخ العقد ، ففسخ عقد البيع  إذا لم يستطع المشتري الوصول إلى التنفيذ العيني للالتزام بالتسليم، أو إذا لم يُرد الحصول على التنفيذ بسبب أنه لم يعد يقدم له فائدة، فانه يستطيع في هذه الحالات أن يرفع دعوى بفسخ البيع، فقد تضمن قانون المعاملات المدنية نصوصا قانونية تحدد كل واحدة منها الوسيلة التي يُفسخ بها العقد الملزم للجانبين ، وبناء على ذلك فان فسخ العقد قد يكون أمام القضاء وهذا ما يسمى بالفسخ القضائي  وقد يكون الفسخ بالاتفاق بين طرفي العقد ويسمى بالفسخ الاتفاقي، أو بقوة القانون ويدعى الانفساخ .

فنصت المادة 171 على انه: 1-  في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوف أحد المتعاقدين بما و جب عليه بالعقد جاز للمتعاقد الآخر بعد إعذار المدين أن يطالب بتنفيذ العقد أو بفسحه.

  • – للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ في الحال أو تنظره الى أجل مسمى ولها أن تحكم بالفسخ ما بقى الامتناع عن التنفيذ قائما ….).

فوفقا لنص المادة  يكون فسخ العقد هو حل الرابطة العقدية بناء على طلب أحد طرفي العقد إذا أخل الطرف الأخر بالتزامه ، وقد يبدو لأول وهلة أن المادة 171  لم تستلزم تدخل القضاء للحكم بالفسخ، لأنها لم تصرح به صراحة ، غير أن هذا الشيء يزول بالنظر إلى مضمون النص وبعض عباراته والدليل على ذلك العبارات الواردة فيه إذ قال “يطالب بتنفيذ العقد أو فسخه” فهي عبارة تفيد الفسخ القضائي، لأن المطالبة في حد ذاتها تكون أمام القضاء، ثم إن عبارة ” 2-     للمحكمة أن تلزم المدين بالتنفيذ في الحال أو تنظره الى أجل مسمى و لها أن تحكم بالفسخ ما بقى الامتناع عن التنفيذ، تؤكد حل الرابطة التعاقدية في العقود الملزمة للجانبين يكون بحكم القضاء. كما أن دعوى الفسخ يجب أن ترفع من المشتري المتضرر من عدم التنفيذ، ويجب أن يكون هذا المشتري قد قام بتنفيذ التزامه، إذ لا يصلح له أن يتأذى من عمل يكون هو نفسه واقع فيه ، بل إن من حق المدين في هذه الحالة أن يتمسك بالدفع بعدم التنفيذ، وبالتالي لا يجوز للقاضي أن يحكم بالفسخ من تلقاء نفسه حتى لو تبين له حدوث إخلال من جانب البائع  ، ذلك أن الفسخ رخصة تثبت للمشتري دون القاضي و يجب على الدائن في العقود لملزمة للجانبين الذي رفع دعوى الفسخ ألا يعتبر نفسه متحللا من التزاماته نحو المدين بمجرد تحقق شروط الفسخ، بل لكي يكون الأمر كذلك لابد من صدور حكم قضائي نهائي يقضي بفسخ العقد ، ذلك أنه قد يحدث بعد رفع دعوى الفسخ أن يقوم المدين بالتنفيذ فلا يكون هناك فسخ، وقد لا يستجيب القاضي إلى طلب الفسخ بما له من سلطة تقديرية في إيقاع الفسخ من عدمه .

ويجوز للقاضي أن يرفض الاستجابة إلى طلب الفسخ إذا كان ما لم يُفِ به البائع قليل الأهمية بالنسبة لالتزامه بالتسليم في جملته، كأن يكون الاختلاف طفيفا بين العينة والبضاعة المسلمة، ويجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا للتنفيذ إذا وجد في ظروف البائع ما يبرر ذلك، كأن يكون له عذر مقبول في التأخر في التسليم أو عدم وجود ضرر من التأخير.

أما الفسخ الاتفاقي فالقاعدة العامة بشأنه أنها ليست من النظام العام، ويجوز مخالفتها وفسخ العقد دون اللجوء للقاضي في جميع الحالات التي يتضمن فيها العقد اتفاقا يقضي بفسخ العقد بإرادة أحد المتعاقدين، حين لا يقوم الطرف الأخر بتنفيذ ما عليه من التزامات تعاقدية.

وقد وضع قانون المعاملات المدنية مبدأ عام للفسخ الاتفاقي على غرار الفسخ القضائي فنصت المادة 170 منه في هذا الصدد على أنه:” يجوز الاتفاق على أن يعتبر العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة الى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه، وهذا الاتفاق لا يعفي من الإعذار إلا إذا اتفق المتعاقدان صراحة على الإعفاء منه.

فقد قضت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم ١٣٦٦٨ لسنة ٧٥ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١٤/٠٤/٠١ أن عقد البيع لا يعتبر مفسوخاً إعمالاً للشرط الفاسخ الضمني بمجرد تخلف البائع أو المشترى عن القيام بالتزامه بل يتعين لكى تقضى المحكمة بإجابة من يطلب الفسخ إلى طلبه أن يكون قد نبه على الطرف الأخر بالوفاء أي بإعذاره وأن يظل هذا الأخير متخلفاً عن الوفاء حتى صدور الحكم النهائى . وبذلك يكون للمتعاقد الحق في أن يعتبر العقد مفسوخا دون أن يستصدر حكما بالفسخ أي يفسخ العقد بإرادته المنفرد، كما إنه ليس كل اتفاق يؤدي إلى فسخ العقد بإرادة الدائن المنفردة دون اللجوء إلى القاضي، ذلك أن الصّيغ التي يقع بها الاتفاق قد تختلف ولها درجات متباينة من حيث القوة، وتأسيسا على ذلك فان الاتفاق الذي يتضمن عبارة “أن يكون العقد مفسوخا عند عدم التنفيذ” لا يعتبر استبعادا لفسخ العقد فسخا قضائيا، لأن الشرط الفاسخ الصريح في مثل هذا الاتفاق لا يكون ذا أثر قوي و هذا الشرط لا يعفي الدائن من رفعه لدعوى أمام القضاء ولا يحرم القاضي من سلطته التقديرية في الحكم بالفسخ أو عدم الحكم به، ولا يمنع المدين من توقي الفسخ بقيامه بالتنفيذ قبل إقفال باب المرافعة، ولا يمنع كذلك الدائن من طلب التنفيذ بدلا من طلب الفسخ ،غاية ما في الأمر انه يقيد من سلطة القاضي التقديرية إذ لا يستطيع رفض الفسخ في مثل هذه الحالة احتراما لإرادة المتعاقدين.

وكذلك الأمر بالنسبة للاتفاق المتضمن عبارة “أن يكون مفسوخا من تلقاء نفسه عند عدم التنفيذ” ذلك أن هذا الاتفاق يقتصر أثره من الناحية القانونية على منع القاضي من إعطاء المدين المهلة القضائية للتنفيذ. أما إذا تضمن العقد أو الاتفاق عبارة “أن يكون مفسوخا من تلقاء نفسه و دون حاجة إلى حكم قضائي” فإننا نكون في مثل هذه الحالة أمام اتفاق يفيد استبعاد الفسخ القضائي وفسخ العقد فسخا اتفاقيا بناء على إرادة المتعاقد الدائن، وبالتالي يستطيع المتعاقد الذي لم ينفذ التزاماته أن يتحلل من الالتزامات التي تقع على عاتقه في مواجهة المتعاقد الأخر وذلك دون  أن يرفع دعوى إلى القضاء، ودون مراعاة لإرادة المتعاقد المدين ، وفي هذه الحالة يكون الشرط المتفق عليه سالبا للقاضي سلطته التقديرية فلا يمنح المدين مهلة للوفاء و يتحتم عليه الحكم بالفسخ فيكون الحكم بالفسخ مقررا وكاشفا وليس منشئا.

بيد أنه قد يُتفق على أن يكون العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة إلى فسخ قضائي ودون حاجة إلى إعذار، وفي هذه الحالة فان مجرد حلول أجل الوفاء بالدين وعدم قيام المدين بالتنفيذ يترتب عليه فسخ العقد دون حاجة إلى إعذار المدين أو رفع الأمر إلى القضاء، وإذا عرض النزاع أمام القضاء فان حكم القاضي يكون كاشفا للفسخ لا منشئا ولا تكون له أية سلطة تقديرية في هذا الشأن.

و أكدت ذلك محكمة النقص المصرية في الطعن  رقم ١١٥٣٦ لسنة ٨٢ قضائية الصادر بجلسة ٢٠٢٠/٠١/١٢ بدائرة الإيجارات  أن الاتفاق على أن يكون العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه دون حاجة إلى توجيه إنذار أو اتخاذ أى إجراء آخر عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه يترتب عليه الفسخ حتماً عند تحقق الشرط الفاسخ الصريح الوارد في العقد ، إذ يقع هذا الفسخ الاتفاقي بمجرد إعلان الدائن رغبته في ذلك دون حاجة إلى تنبيه أو رفع دعوى بالفسخ أو صدور حكم به ، فإذا ما لجأ الدائن إلى القضاء فإن حكمه يكون مقرراً للفسخ بعد التحقق من توافر شروط الفسخ الاتفاقي ووجوب إعماله .

أما انفساخ العقد بقوة القانون نصت عليه المادة 172 حيث جاء فيها على أنه: { في العقود الملزمة للجانبين إذا تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه الالتزام المقابل له و انفسخ العقد من تلقاء نفسه } و كذلك  نصت  المادة 339  على أنه: { ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي عن إرادته }.

و يتبين لنا ان انفساخ العقد هنا يكون بحكم القانون وفق الفقرة الأولى من المادة اذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا وكذلك انقضاء الالتزام المقابل له،  بمعنى أن الفسخ يقع عند انقضاء الالتزام على أثر استحالة تنفيذه فانقضاء هذا الالتزام  يستتبع انقضاء الالتزام المقابل له للتخلف سببه  ، ولهذه العلة ينفسخ العقد من تلقاء نفسه او بحكم القانون بغير حاجه الى التقاضي بل وبغير إعذار متى وضحت استحالة التنفيذ وضوحا كافيا، و قد يكون الترافع الى القضاء ضروريا عند منازعة الدائن او المدين في وقوع الفسخ ، بيد أن موقف القاضي في هذه الحالة يقتصر على الإستيثاق من ان التنفيذ قد اصبح مستحيلا فإذا تحقق من ذلك ثبت وقوع الفسخ بحكم القانون  و ان كل هذه الاستحالة مرتبطة بأن تطرأ قوة قاهرة تجعل من الالتزام مستحيلا وفي الأصل ان القوة القاهرة تحدث بسبب أجني خارجي ليس لأطراف العقد اي علاقة به على ان يكون هذا السبب الأجنبي الخارجي لا يكمن توقعه ولا دفعه لأنه يكون خارج قدرة واردة الأطراف ، وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم ١٣٤١٧ لسنة ٧٨ قضائية الصادر بجلسة ٢٠١١/٠١/١٨ إن المقرر عقد البيع ينفسخ حتما ومن تلقاء نفسه بسبب استحالة تنفيذ التزام أحد المتعاقدين لسبب أجنبي ، ويترتب على الانفساخ ما يترتب على فسخ العقد من عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، ويتحمل تبعه الاستحالة في هذه الحالة المدين بالالتزام الذى استحال تنفيذه عملاً بمبدأ تحمل التبعة في العقد الملزم للجانبين .

كما يتضح إن القانون لم يقتصر على تنظيم الانفساخ للعقود الملزمة للجانبين فقط بل نظم أيضا الانفساخ في العقود الملزمة من جانب واحد و عمد المشرع الى بيان أثر استحالة تنفيذ الالتزام في حالة الاستحالة الكلية والجزئية فقد أشارت المادة 171  اليه في فقرتها الثانية و قضت بأن العقد لا ينفسخ كليا و يكون للدائن حسب الأحوال أن يتمسك بالعقد فيما يخص ما بقي من التنفيذ من حقه  و ما يتناسب معه من الالتزام المقابل أو أن يطلب فسخ العقد برمته ، مع الأخذ في الاعتبار بأن الاستحالة التي ينقضي بها الالتزام هي الاستحالة المطلقة بطروء حالة قاهرة لا قبل للمستلزم بدفعها أو التحرز منها ، و أوضحت الفقرة الثانية من المادة 172 ان الاستحالة الجزئية حالها حال الاستحالة المؤقتة في العقود المستمرة  ومحكمتنا العليا في القرار رقم 13 في الطعن 92/2004 لسنة 2004 ذهبت الى أنه يتعين أن تكون استحالة تنفيذ الالتزام بسبب القوة القاهرة استحالة نهائية حتى ينفسخ العقد بقوة القانون أما إذا كانت الاستحالة مؤقتة فإن العقد يقف تنفيذه فقط حتى تزول هذه الاستحالة ، والأصل وفق المبادئ العامة في العقود أن العقد ينفسخ عند طروء قوة قاهرة تؤدي الى استحالة تنفيذ الالتزام الناشئ عنه.

هذا ما تيسر بيانه بشيء من الإيجاز عن فسخ العقد، على أمل مواصلة التوعية القانونية في مسار آخر من مساراتنا القانونية. والله ولي التوفيق.

المصدر
المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى