الدكتورة وفاء الشامسية : الكتابة للطفل لا تحتاج لخلطة سحريّة
حوارات المسار| جواهر البداعية
أدب الطفل هو أحد الأنواع الأدبية المتجددة في الآداب الإنسانية، ولأن الأطفال هم الغرس المأمول لبناء مستقبل الأمة،كان علينا الاستثمار فيهم بشتى الطرق، ومن اللذين تبنوا هذه المبادرات الهادفة لتنشئة الطفل الدكتورة وفاء الشامسية، أكاديمية بجامعة الإمارات العربية المتحدة متخصصة في مجال أدب الطفل والناشئة ، ومدرب مؤسسي معتمد، وتعد من النشطاء في جانب تقديم الورش وحلقات العمل ونقل خبراتها العلمية والمعرفية، فازت بجائزة مسرح الطفل بدولة الإمارات العربية مسرحية “لن أخسر” في عام 2019 ، المسرحية استهدفت هوس الأطفال بالألعاب الإلكترونية، وهي مادة دسمة للحديث عن أمور كثيرة تدور حول ” أدب الطفل “. كان لصحيفة المسار حوار مع الدكتورة وفاء الشامسية لتطلعنا على عالم أدب الطفل عن قرب.
الطفل والخيال الخصب
عن الطفل تقول الشامسية : إن الطفل كائن ذكي جدًا، ورغم أن كثيرًا من ملكَاته العقلية لا تكتمل إلا مع تقدّمه في العمر إلا أنه يملك طاقة هائلة تمكّنه من استقبال المثيرات من حوله، بدءًا من الأصوات، واللغة، وانتهاء بالحركات، ثم التدرّج إلى المشاعر والانفعالات.
ولكونه يمرّ بمرحلة تكون فيها ملكة الخيال حاضرة بقوّة؛ فإنه هذه المرحلة تحديدا تدفعه للبحث عن الإجابات، والحلول، وابتكار المواقف، وبناء المشاهد وإن خُيّل للآخرين بأنها كذب، إلا أنها في الأساس نابعة من خيال الطفل. وكلما كانت العناية كبيرة بهذه الملكة، استطاع الطفل أن يكون قادرًا على الإبداع.
الكتابة للطفل
الكتابة للطفل لا تحتاج لخلطة سحريّة، وإنما هي مزيج من المعرفة والمتعة والتشويق والفائدة، وهذا الخليط يتفاوت في طريقة استقباله من طفل لآخر نظرًا لأن تركيبة كل طفل، والظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تحيط به تتفاوت من بيت لآخر، وهذا ما يجعل كل طفل حالة خاصة.
الكاتب الواعي يدرك كيف يختار فكرته، وكيف يعالجها بطريقة مطاطية تضمن وصولها لأكبر شريحة من الأطفال، وهو أيضًا قادر بذكائه ككاتب أن يمزج الأحداث ليخرج بقصّة غنية بالتشويق، والطرافة، وفيها المتعة والفائدة.
هناك معايير مرتبطة بالعمر، وبالاستعداد العقلي، وبالجانبين النفسي، والتربوي فيما نطرحه للأطفال، وهذا يحتّم على الكاتب القراءة الجيدة، والوعي بهذه المعايير. أضف إلى ذلك اختيار القالب الذي يدهش الطفل؛ لأن الكاتب بما ينتجه من نص لغوي يجب أن يضع في اعتباره أنه في تحدٍ بسبب توافر مواد أخرى منافسة للكتاب المقروء، ويسهُل على الطفل الحصول عليها، كأفلام الأنمي، والديجيتال، والتطبيقات الإلكترونية، والمواد الفلمية على اختلافها.
الطفل العربي
أنا أؤمن بأن بعض الفوضى نعمة، فهي خبرات متنوعة ومتفاوتة وهذا يصقل الذائقة العامة للفرد، وأؤمن أيضا بنظرية الوفرة إذ إنها مهمة جدًا، ومن خلال وفرة ما حولنا نستطيع أن نمسك بزمام المعرفة، والتجريب بشكل أو بآخر.
الإنسان بشكل عامٍ لا يصقله إلا الاحتكاك بكل المثيرات الموجودة حوله، ولأن الطفل يبدأ في اكتشاف عالمه من حوله من خلال حواسه الخمس، فإن سمة الاكتشاف والاطلاع موجودة، ولكون هذه الفوضى إن صحّت التسمية التي نعيشها هي جزء من المثيرات، فإن التعاطي معها مهم، وهو ما سيخلق نمطًا جديدًا في سلوكياتنا للتعامل معها.
لقد خلق الله الإنسان بمرونة عجيبة، وقدرة على التكيف مع الأوضاع من حوله، وبهذا لا يوجد قلق تجاه مستقبل الطفل العربي؛ فهو قادر على إعداد نفسه بما يتناسب مع تلك المعطيات المستقبلية كما حدث مع الأجيال السابقة، والأجيال التي ستأتي.
عالمنا العربي ومعاناته في فهم واقع الطفل
ربما الالتفات للطفل جاء متأخرًا، ولكن أن تأتي متأخرًا خير من ألا تصل أبدًا. وأعتقد أن الأمر كان مرتبطًا بأولويات مجتمعاتنا التي كانت تسعى إلى تأسيس بنية تحتية متينة توفر البيئة المناسبة لأفراد المجتمع، وحين وصلنا إلى مرحلة الاستقرار تم الالتفات إلى الثغرات، والتي كان من بينها التوجّه بالاهتمام للطفل، والعناية به.
لقد جاء هذا الاهتمام لعوامل كثيرة، وبتنا نشهد جهودًا فردية ومؤسساتية تقوم بأدوار مهمة وعظيمة في مجال الاهتمام بالطفل، وتوسيع مداركه، والعناية بإعداده للمستقبل.
المقررات الدراسية جزءًا من المنظومة المعرفية للطفل
المقررات الدراسية تعتبر جزءًا من المنظومة المعرفية للطفل، وهي وإن كانت من الأجزاء المهمة، إلا أنه علينا التأكد من أن القائم على هذا الجزء قادر على إكساب الطفل هذه الذائقة من خلال استراتيجيات متنوّعة يستخدمها في تقديم المادة العلمية.
ما نلاحظه برغم التنوع الجميل في النصوص الموجودة في المقررات أن الطفل لا يشعر معها بالمتعة، فهي تظل مغلفة بغلاف الروتين المدرسي الذي يأطرها بإطار الواجبات المطلوب فهمها وشرحها وحفظها والإجابة عن الأسئلة التي تليها.
الذائقة الأدبية لدى الطفل تحتاج ظروفا مهيأة تقوم على تحبيب الطفل فيما يقدّم له، ومشاركته المتعة في التعلّم والاطلاع، وإعطائه الفرصة ليكون مشاركًا في عملية الاتصال بأن يكون مرسلا في بعض المرّات، لا أن يكون مستقبلا على الدوام. ولا ننسى الأدوار التي تلعبها كثيرا من القنوات والتطبيقات الترفيهية والتعليمية التي تقدّم النصوص القصصية والشعرية للأطفال في قوالب محببة وماتعة تجعل الطفل متعلقا بها، ومرددا لها على الدوام.
