2021feb21آراء الكتاب

الأستاذ محمد الفطيسي : التابوهات المقدسة وبناء الدولة المدنية

المسار  | آراء الكُتاب

التابوهات المقدسة وبناء الدولة المدنية

الأستاذ. محمد بن سعيد الفطيسي

أكاديمي، باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

الخوف من المساس ببعض طبقات المجتمع التي تمثل قوى الضغط او التأثير في أي دولة، بسبب ما تملكه من قوة وأوراق مؤثرة في اقتصاد الدول او في توجيه سياساتها الداخلية او الخارجية، او لمكانتها في البناء الثقافي او الاجتماعي الداخلي، او بسبب حجمها واعداد المنتمين اليها، أضعف كثيرا من قوة الدولة المدنية بشكل عام وبناءها السياسي على وجه الخصوص في مواجهة العديد من التحديات والعقبات التي تحول دون تقدمها واستقراها، وعلى راس تلك العقبات محاربة الفساد الذي هو في غالب الاوقات العقبة الكؤود والاخطر وطنيا امام تقدم وتطور واستقرار تلك الدول.

وبالرغم من ذلك فان ” وجود تيارات وقوى ضغط داخلية في أي دولة او نظام سياسي سواء تشكلت بشكل رسمي او طبيعي يعد حالة صحية لا خطورة منها في العادة، بل هي من قبيل التدافع الايجابي في الحياة السياسية والاجتماعية، ولخلق بيئة مدنية من تنوع الأفكار والآراء والتوجهات العامة. إنما تكمن الخطورة وتتوسع حين تتضخم تلك التيارات الى الدرجة التي تصبح فيها ذات تأثير سلبي ورجعي على تقدم وتطور الدولة المدنية والقانونية من جهة. وتشكل تهديد خطير للاستقرار والامن الوطني لأسباب عديدة ومختلفة.”

وفي العادة تعود أبرز تلك الاسباب التي تحول دون الخروج بمقاربات وطنية تخفف من الضغوط والممارسات السلبية لتلك الفئات او التيارات الفئوية إلى توغلها في مفاصل الدول ومؤسساتها المختلفة، خصوصا تلك التي تملك التأثير او صناعة القرارات الاصلاحية او التطويرية نفسها، كالاقتصاد والتجارة والاستثمار والاصلاحات الداخلية. الخ، إلى تواجد تلك الفئات نفسها في مراكز صناعة القرار الوطني، فكيف يمكن الاعتماد على تيارات او فئات ذات مصالح فئوية للقيام بتطوير او تأهيل بعض المؤسسات الوطنية في ظل تضارب مصالح هذه الاخيرة مع مصالحها؟!

“وفي بعض الأوقات تتجنب الأنظمة السياسية والحكومات نفسها – للآسف الشديد- الحديث عن آثار ومخاطر تضخم تلك التيارات على أمنها واستقرارها الداخلي، لان تلك الأنظمة وفي مرحلة من مراحل قيامها تكون غير مستعدة للدخول في قضايا مشابهة خوفا من فقدان دعم تلك التيارات او القوى الداخلية، او ربما بسب خوفها من تأثير نفوذها المعاكس على استقرار النظام السياسي، وفي أوقات أخرى تحمل لها بعض الأنظمة السياسية أفضال تاريخية بسبب مساهمتها في قيامها ودعمها في الفترات الاولى لبناء الدولة، او لمساندتها في تثبيت حكمها وقوتها السياسية.”

ولعل مجموعة الاسباب السابقة هي من صنع تلك التابوهات واصبغ عليها تلك القداسة، فهي في نهاية المطاف مزيج من تراكمات الخوف او التقدير السياسي السلبي او ضعف المواجهة، او لتلاقي المصالح السياسية الفئوية مع مصالح الأنظمة السياسية الحاكمة نفسها.

والباحث في هذا الموضوع يجد ان مثل هذه التكتلات او التيارات الفئوية ليست حكرا على جغرافيا سياسية معينة مثل الدول النامية او الفقيرة، بل تتوغل في مفاصل دول كبرى ومتقدمة مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا ودول الاتحاد الأوربي على سبيل المثال لا الحصر، على ان هذه الدول والأنظمة تمكنت إلى حد ما من تطويعها ومواءمة مصالحها الفئوية مع المصالح الوطنية، ورغم ذلك وللأمانة العلمية لا زال تأثيرها وأثرها السلبي مستمر بالرغم من ذلك في تلك الدول حتى يومنا هذا.

“صحيح ان بعض تلك القوى والتيارات لا يمكن إنكار دورها التاريخي او تجاهله وإغفاله في قيام بعض الدول ودعم أنظمتها الحاكمة والوقوف معها سياسيا وماليا على المستوى الداخلي او الخارجي في بداية قيامها او تأسيس الدولة كما هو حال الأنظمة الخليجية والعربية، وذلك عبر رجال الأعمال والمال ورجالات السياسة والفكر والطوائف الدينية والقبائل، لذا تشكلت وقامت تلك الأنظمة السياسية من خلال شرعية قائمة على ثقافة سياسية من قيم الطاعة والولاء التاريخي المتبادل”

ورغم ذلك “فان العيب ليس في التعددية كما سبق وأشرنا وإنما في استراتيجيات النخب الحاكمة في التعامل مع هذه التعددية” خصوصا ان بعض تلك الأنظمة السياسية تركت تلك التيارات إلى ان تمكنت من خلق دولة بديلة لها او حكومة ظل في داخل الدولة نفسها، ما مكنها من صناعة قوى ومساندين لها من الاتباع في داخل العديد من مؤسسات الدولة، فمن يأتي اولا يقوم ببناء مؤسسة فئوية تساهم في استمرار الحياة لمصالحه الشخصية بعد رحيله عن الكرسي وهكذا”

وفي دراسة مشابهة لي حول نفس الموضوع تحت عنوان: تضخم التيارات الفئوية وأثرها على النظام السياسي والأمن الوطني الاستراتيجي خلصت الدراسة إلى نتائج يمكن الإشارة إلى البعض مثل:

1 – هيمنة تلك التيارات ستؤدي مع الوقت إلى إضعاف بقية التيارات الوطنية المتوازنة والتي لازالت تعمل في دائرة الولاء العام، بل من المؤكد ان ذلك سيثير حفيظتها ومخاوفها تجاه مستقبل وجودها ومصالحها.

2- لا يستبعد ان تصل تلك التيارات إلى المرحلة التي تتسبب فيها بالعديد من الصراعات والحروب الداخلية نتيجة تضارب المصالح او من خلال جر الدولة الى الدخول مع مواطنيها في صدامات.

3 – لا يستبعد ان تتعامل العديد من الدول والشركات العابرة للحدود الوطنية مع تلك التيارات او بعض أفرادها بصفتهم الشخصية لا الوظيفية في حال رغبتها القيام ببعض المشاريع الاستثمارية والاقتصادية. على اعتبار نفوذهم في مراكز ومؤسسات الدولة. ما يمكن ان يتسبب في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية بحالة من التعامل الشخصي معهم بعيدا عن الدولة والحكومة. وكأنهم كانوا يمثلون لها صمام الأمان في تلك الدولة التي يتعاملون معها او يقيمون فيها مشاريعهم الاقتصادية وتعاملاتهم السياسية والدبلوماسية، وقد حدث مثل هذا الأمر اثناء احداث ما أطلق عليه بالربيع العربي في بعض الدول العربية بالفعل.

4- الاستعانة والاستقواء بالخارج على السلطة السياسية بالرغم من الولاء الظاهر لتلك التيارات للنظام السياسي والذي لا يظهر في كثير من الأوقات إلا عندما يصل إلى مرحلة خطيرة لا يمكن معها للدولة ان تحتويه إلا بالقوة العسكرية او تقاسم السلطة السياسية -للاستعانة بالخارج للحصول على تأييد لها او لأهدافها السياسية الداخلية نظرا لعمق تواصلها السياسي بحكم عملها مع الانظمة السياسية الدولية.

5- تعمل تلك التيارات على الحد من اشكال المنافسة الطبيعية في مؤسسات الدولة ومرافقها، واضعاف القرارات والتوجهات والمرئيات ذات الطابع العام، خصوصا المنافسة الاقتصادية والسياسية منها. فيغلب الاحتكار على النظام الاقتصادي، ويحل التهميش والإقصاء في مختلف الحياة الوطنية.

مراجع الدراسة:

1-محمد سعيد الفطيسي، تضخم التيارات الفئوية وأثرها على النظام السياسي والامن الوطني الاستراتيجي، مجلة كلية التربية الاساسية للعلوم التربوية والانسانية، جامعة بابل/ العراق، ع (37) سنة النشر 2018م

2-محمد بن صنيتان، مستقبل الأنظمة الخليجية والمتغيرات الإقليمية والدولية، ورقة قدمت الى مؤتمر الوحدة السياسية للخليج الذي انعقد في ميلانو بين 26-29 سبتمبر 2011

3-د. صادق الاسود، علم الاجتماع السياسي، مكتبة الوطنية، بغداد 1986م

4-د. كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة، الربيعان للنشر/ الكويت 1987م

5-مايكل جونستون، متلازمات الفساد – الثروة والسلطة والديموقراطية – ترجمة: د. نايف الياسين، ط1/ 2008م

المصدر
المسار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى