2022mar22آراء الكتاب

الأستاذة جوخة الشماخية تكتب للمسار: في رحيل والدي.. وداعًا أبي

اقرأ في هذا المقال
  • أبي وأمي – بعد الله تعالى - كان لهما أكبر الفضل في بناء شخصيتي، وفيما حقّقته ووصلتُ إليه في تعليمي، فحين كان بعض أولياء الأمور يجبرون بناتهم على ترك المدرسة لتزويجهن، لم يفعل أبي ذلك...

المسار    |   آراء الكُتاب

الأستاذة جوخة بنت علي بن صالح الشماخية

الأستاذة جوخة الشماخية

لحظةٌ من عمر الزمن، كم كنتُ أخشاها، أفكّرُ فيها ليلَ نهار، لحدْسي أنّها آتيةٌ لا محالة، وليقيني بأنّها ستُوجعني كما لم يُوجعني شيءٌ قبلها، هي اللحظةُ التي تلقيّتُ فيها أثقلَ خبرٍ في حياتي، خبر وفاة أبي. في مساء يوم الجمعة، الثامن عشر من فبراير 2022م، كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة بقليل، تلقيتُ هذا النبأ المؤلم، لحظةٌ من الصعب أن تصفها كلماتي، لن يشعر بها إلا من فقد أحد والديه، أو شخصًا غاليًا يعني له الحياة بأكملها، كنتُ أتمنى لو كان كابوسًا فأفيقُ منه، ولكنه قضاءُ الله، ورضا المؤمن عن القدر واجب.

والدي في نظري أعظم رجل عرفته، رجل عزيز النفس، كريم، ومكافح، لم يترفّع عن أيّ عملٍ بسيط مادام شريفًا؛ من أجل أن يؤمّنَ لي ولأمي وإخوتي حياةً كريمة، ارتحل وراح وجاء، لم يئنّ يومًا ولم يشتكِ، عمل في التجارة والمزرعة والسوق، فقد والدي لأبيه، ومن ثم لأخيه الوحيد أثّر عليه كثيرًا، فعمي – رحمة الله عليه – كان العضيد والمؤنس لوالدي، كنا نشعر به وإن لم يبح بمكنون صدره، حتى غلبه الكِبر، فوهن جسده وضعف، فصار ملازمًا لفراشه، حين كنت أراه وهو في هذا الحال، تغرورق عيناي بالدموع حزنًا عليه، أو أحبسها فتكتم على صدري.

بكل ما أُوتيت من لغة، أحاول أن أكتب عن أبي، لكني لأول مرةٍ أجد لغتي عاجزةً، وحروفي مشتّتةً، تُشبه شتات روحي بعد فقده، وأنا التي اعتدتُ على نثر الكلمات، الآن لا أعرف من أين أبدأ الكتابة وأين سأنتهي، لكنني موقنةٌ بأنني مهما كتبتُ ستبقى عباراتي فيه قاصرة، فلن توفيّه حقه. ماذا سأحكي عن حياتي مع أبي، معظم فصول حياتي ارتبطت به، أنا أكبر أولاده، حظيتُ في ظله بالكثير من الحبّ والدلال الذي تتمناه كل فتاة، لم يحرمني من أي شيءٍ كان بإمكانه أن يوفّره لي، كنت أراعي مقدرته المالية، فتولّدت داخلي قناعة جميلة، فما كنت أطلب إلاّ احتياجاتي الملحّة، ولا أقارنُ نفسي بغيري من رفيقاتي، وضعتُ كل همي في الدراسة وكفى.

من محطات حياة أبي المهمة، فترة حياته في دولة الكويت الشقيقة، حين تغرّب للعمل، شأنه شأن الكثير من العمانيين في فترة ما قبل السبعينات، أنا لم أكن قد ولدتُ بعد، لكنه كان يحكي لي الكثير من ذكرياته هناك، بل هو يعشق الكويت وأهلها، حين يجلسُ معي يظلُّ يستعيدُ ذكرياته فيها، يحكي وأنا أستمع، إلى أن ساءت صحته، وبدأ يفقدُ السمع والانتباه؛ بسبب كبر سنه.

أبي وأمي – بعد الله تعالى – كان لهما أكبر الفضل في بناء شخصيتي، وفيما حقّقته ووصلتُ إليه في تعليمي، فحين كان بعض أولياء الأمور يجبرون بناتهم على ترك المدرسة لتزويجهن، لم يفعل أبي ذلك، بل كان يشجّعني على مواصلة دراستي، حتى حققتُ حلمي وحلمه بدخولي جامعة السلطان قابوس، لأكون ضمن الدفعة الأولى في الجامعة التي تحملُ اسم سلطاننا وأبينا الراحل – طيّب الله ثراه- ، لا أنسى فخره واعتزازه بي في يوم تخرّجي، وتسلّمي شهادة البكالوريوس من يد صاحب الجلالة، والذي زاد من فرحته كوني أول خريجةٍ يُنادى اسمها، حيث إنّ حفل تخريج الدفعة الأولى في الجامعة بدأ بكلية التربية، وتحديدًا تخصص اللغة العربية، فكنتُ الأولى من بين زميلاتي الخريجات.

كان أبي حاضرًا معي خلال إنجازاتي المتوالية، افتخاره بي يزيدني إيمانًا وإصرارًا. لا أنسى خوفه وقلقه حين مرضتُ، وسافرتُ إلى الهند للعلاج، أصرّ على أن أسافر، ولم يبخل عليّ بماله، فتعافيتُ بفضل الله، ثم بفضل دعواته ودعوات أمي وأخوتي، ومن بعدهم جميع أحبّتي، يوم عودتي احتضنني وعانقني، كان يبكي، شاهدتُ دموعه تغمرُ عينيه، وشعرتُ بلهفته عليّ، كل حدثٍ في حياتي كانت له يدٌ فيه، إما في صورة حبٍ أو دعاءٍ أو تشجيع.

إن كانت مقولة: ” كل فتاةٍ بأبيها معجبة ” مجرد مثل، فهو ينطبق عليّ، فأنا معجبةٌ وفخورةٌ بأبي، فبالنسبة لي هو مثالٌ للرجل النبيل، ولكل مَنْ عرفه بإذن الله، منذ شهرٍ ودّعتُ أبي، وطبعتُ قبلتي الأخيرة على جبينه الطاهر، استودعته ربَّ العزّة، وأنا راضية بأمره وقضائه، سأظلُ ألهجُ بالدعاء لأجله، وسأبقى رافعةً رأسي بانتسابي إليه، وارتباط اسمي باسمه، وداعًا أبي، والسلامُ لروحك التي فارقتني، أرجو أن يكونَ ملتقانا معًا في الجنة بمشيئة الله تعالى، فأمنية اللقاء بك في جنة الله، هي عزائي الوحيد فيك.

المصدر
المسار - خاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى