♦ جلالة السلطان المعظم حريص على إحلال السلام في الشرق الأوسط وتحقيق التنمية الشاملة
♦ الجميع يترقب نتائج زيارتي عباس ونتنياهو.. والرسالة الخطية تكشف بعض الملامح
♦ واقع القضية الفلسطينية الآن مختلف تماما عما كانت عليه قبل 26 أكتوبر
♦ الحكمة العمانية تسعى لتهيئة الظروف المناسبة لعودة مفاوضات السلام الشامل والعادل
♦ التوقعات تتجه نحو تحرك ملموس من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لإحلال السلام
♦ لا غنى عن الدور الأمريكي في دعم مسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين
♦ حرص عماني واضح على تحقيق مصالح الشعب الفلسطيني الشقيق ونيل حقوقه المشروعة
♦ الجهود العمانية ليست محل تشكيك.. ومسقط قبلة الباحثين عن السلام في عالم يموج بالحروب
♦ الدور العماني لتحريك القضية يتزامن مع تراجع الاهتمام العربي والعالمي
المسار– المحرر السياسي
منذ الإعلان في 26 أكتوبر الماضي عن الزيارة المفاجئة التي قام بها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى السلطنة، والجميع يترقب ما ستسفر عنه من نتائج ومتغيرات على الأرض تخدم القضية الفلسطينية، وتدعم حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، الذي طالما وقفت حكومتنا الرشيدة بجانبه، في الكثير من المحن والتحديات، بل وفي جميع الأوقات.
النتائج التي يترقبها الجميع، ظهرت بشرياتها عندما تسلم الرئيس الفلسطيني محمود عباس رسالة خطية من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- تتناول العلاقات الثنائية القائمة بين البلدين، والتطورات الأخيرة بإحلال السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. والمتمعن في فحوى هذا النص الذي أوردته وكالة الأنباء العمانية، يستطيع أن يقرأ ما بين السطور، وما توحي به الكلمات التي صيغت بدقة شديدة، لتكشف لأولي الألباب مدى الدور العماني الفاعل، والذي يتسم بالزخم الكبير في هذه القضية.
مضامين وإشارات
الرسالة تتضمن العلاقات الثنائية القائمة بين السلطنة ودولة فلسطين، وهو ما يعني أنها تتطرق لمسيرة التعاون المشترك في عدد من القضايا ذات الاهتمام بين الجانبين، ويمكن أن نتوقع أنها تضمنت جهود دعم المصالحة الفلسطينية بين الفصائل في الداخل الفلسطيني، وآليات تعزيز جهود السلطة الوطنية الفلسطينية لبسط سيطرتها على كامل الأراضي الفلسطينية، وسبل دعم القيادة الفلسطينية لتحقيق مطالب وتطلعات الشعب الفلسطيني الشقيق.
لكن من المؤكد أن الجزئية البالغة الأهمية في الرسالة الخطية، تتعلق بالتطورات الأخيرة بإحلال السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. ولنستخدم هنا تقنيات تحليل الخطاب، ونبدأ بعبارة “التطورات الأخيرة” والتي تعني أن واقع القضية الآن ليس كما كان عليه قبل زيارة عباس ونتنياهو للسلطنة؛ إذ ثمة تطورات شهدها ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بعد الزيارتين، وهذه التطورات- بلا شك- هي التي استدعت أن يذهب معالي الوزير المسؤول عن الشؤون الخارجية يوسف بن علوي إلى رام الله بالضفة الغربية في فلسطين، ليطلع الرئيس الفلسطيني عليها. وهنا جانب آخر يتكشف، أن التطورات الأهم جاءت من الجانب الإسرائيلي والتي وجب أن يعلم بها الجانب الفلسطيني، ففيما يبدو أن نتنياهو أنصت جيدا للحكمة العمانية، وأدرك حقيقة الدور العماني وإخلاصه في تيسير الظروف لإذابة الجليد عن ملف التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو ما يعني أيضا أن زيارة نتنياهو للسلطنة لم تكن لتتم ما لم تدرك السلطنة جيدًا أن ثمة اختراق في الملف الفلسطيني سيحدث، وأن نتنياهو لن يأتي فقط لالتقاط الصور التذكارية، أو لتوظيف الزيارة لأغراض سياسية حزبية داخل إسرائيل؛ بل إن الأمر هذه المرة يتسم بالجدية وعدم التراجع. ومنطلق ذلك، أن جميع الأطراف تعلم علم اليقين أن دخول السلطنة على خط المفاوضات ومساعي إعادة إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط لن تستهدف الاستهلاك الإعلامي، ولا تمثل نوعا من الدعاية؛ بل إنها إسهام حقيقي في إنهاء مأساة مستمرة منذ نكبة 1948، بل وربما قبل ذلك بسنوات أيضا.
إحلال السلام
التفاصيل المتعلقة برسالة جلالته لعباس، تتضمن أيضا “إحلال السلام بين الجانبين”، وهنا الرسالة فيما يبدو لا تتحدث عن مساعٍ عمانية لتقريب وجهات النظر بشأن العودة لمائدة التفاوض؛ بل حديث واضح وضوح الشمس بأنها تتناول “إحلال السلام”. فربما يكون الطرفان يجريان مفاوضات غير معلنة من أجل عدم التعرض فيها لأية ضعوط حزبية أو جماهيرية، أو حتى تدخلات إقليمية ودولية تريد مد أجل الصراع وإجهاض أي تقدم يمكن إحرازه.
إحلال السلام يعني، أن ثمة مبادرة محتملة قد تكون معروضة على الأطراف كلها، ولقد كان حديث معالي يوسف بن علوي في أكثر من منبر في أعقاب زيارتي عباس ونتنياهو، مليئا بالكلمات المفتاحية التي تتيح للمراقبين والمحللين أن يقرأوا ما بين السطور، وما تبوح به من إشارات مباشرة وغير مباشرة.
بن علوي ذكر في أكثر من موضع، أن الدور العماني ليس نوعا من أعمال الوساطة، بل هو دور يستهدف تيسير الظروف المهيئة لإعادة بناء الثقة بين الطرفين، ومحاولة إنجاز أي تقدم في مسار هذا الصراع، لكن النقطة الأهم في هذا الجانب، أن السلطنة تؤكد أهمية الدور الأمريكي في هذه القضية، فلا سلام سيتحقق بالفعل إلا عبر الدور الأمريكي، ولا إعلان لقيام دولتين سوى من خلال الرئيس دونالد ترامب. الدور العماني لا يزعم أنه يملك زمام الأمور بالكامل، ولكنَّ دوره مساعد ومُهيئ ومُيسر للظروف التي يمكن من خلالها البناء عليها وقطع شوط كبير في مسار عملية التفاوض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
ملمحٌ آخر يمكن استنتاجه من الزيارة التي قام معالي بن علوي إلى رام الله، لتسليم رسالة جلالته- حفظه الله ورعاه- أن الرسالة تحمل حديثا إيجابيا عن الزيارتين المشار إليهما، فإذا ما كانت الزيارتان لم تحققا أي تقدم إيجابي، فلماذا يتم تكليف معاليه بتسليم رسالة خطية من جلالة السلطان المعظم. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن مضمون هذه الرسالة سيتضح بصورة أكبر خلال الأيام المقبلة.
تحقيق المصالح الفلسطينية
إن مثل هذه الزيارات والجهود المبذولة من قبل الدبلوماسية العمانية، بحنكتها وحكمتها، بفضل الرؤى السديدة الثقافبة لحضرة صاحب الجلالة السلطان المفدى- أيده الله- تؤكد أمرا لا جدال عليه، وهو أن هذه الجهود تنبع من الحرص العماني على مصالح الشعب الفلسطيني الشقيق، ومحاولة من السلطنة لإنهاء معاناته ودعمه من أجل نيل حقوقه المشروعة، والمتمثلة أولا في بناء دولته المستقلة على حدود عام 1967، والتفاوض حول ملف عودة اللاجئين بشكل مباشر مع الأطراف المعنية، فضلا عن حسم قضية القدس. الدعم العماني، وكما هو معلوم للجميع، لم يتوقف منذ بدء الصراع، فلقد كانت السلطنة خير داعم ومعين للشعب الفلسطيني الشقيق، عبر الكثير من الإجراءات والخطوات، سواء على الأرض في الداخل الفلسطيني، أو في المحافل الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة، والمنظمات التابعة لها، ويبرهن على ذلك ما تعلنه السلطنة عبر هذه المنابر من مواقف مؤيدة للحق الفلسطيني ومطالبة بإحلال السلام الشامل والعادل.
ويمكن القول إن الجهود العمانية ليست محل تشكيك، فلم تكن عُمان على مر تاريخها عبر قرون ممتدة، ساعية إلى نفوذ أو تدخل في شؤون أي دولة، بل هي قبلة السلام وكعبة المضيوم، التي يتوافد إليها الجميع أملا في الوصول إلى السلام المنشود. ولذا من المثير للدهشة أن يظن البعض أن الدور العماني في هذا الملف غير نابع من إرادة مخلصة تسعى لعودة الدماء لمسار التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في وقت تراجع فيه الاهتمام بقضية العرب المركزية، فقط تصدت لها السلطنة وقائدها الحكيم، لتقول كلمة حق تنصر المظلوم وتحول دون مواصلة الظالم لظلمه للآخرين.
قضية محورية
السلطنة دخلت على خط الصراع العربي الفلسطيني، بعدما خفت الاهتمام بهذه القضية المحورية لجميع العرب، بل وللمسلمين أيضا، ففلسطين تحتضن أولى القبلتين وثالث الحرمين، المسجد الأقصى الشريف. الدور العماني يسعى لإحراز تقدم، في وقت تحاول الدول الأطراف- المؤثرة تاريخيا في القضية بحكم الجغرافيا وطبيعة الصراع- التعافي من سنوات عجاف مرت بها، وشهدت اضطرابات داخلية وحالة من عدم الاستقرار، وأيضا دول أخرى تواجه أزمات اقتصادية أو مشكلات مع دول مجاورة تعاني الحرب الأهلية والصراعات المسلحة. كل ذلك يأتي في وقت أيضا تواجه فيه دول الخليج تحديا كبيرا يتعلق بالوحدة والمصير المشترك، وانشغال الجميع بقضاياه الداخلية والخارجية. الدور العماني سيستمر إذن من منطلق الإيمان الكامل بأهمية إحلال السلام، وأن التنمية التي تأمل الشعوب أن تتحقق تستلزم مناخا من السلام والأمن والاستقرار، لكي تنجح وتجني هذه الشعوب ثمارها، وغير ذلك فهو حرث في الماء ونقش على الرمال، لا يلبث أن يزول.
وفي القلب من هذه الجهود، نجد أن حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم- حفظه الله ورعاه- يتابع هذا الملف بنفسه، وسط مجموعة كبيرة من التحديات، واهتمام سامٍ لا يتوقف بمختلف القضايا الداخلية، وحرصه الشديد على الاطمئنان بأن المواطن العماني ينعم بالرخاء والاستقرار، بالتوازي مع الحفاظ على الدور العماني الأصيل في تعزيز جهود السلام وسبل إحلاله في المنطقة، لضمان مستقبل أكثر ازدهارا ورخاءً وبلا حروب أو صراعات تعطل مسيرة النمو لعقود.